سورة النحل
الجزء النحل · صفحة ٠﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ نبيًّا يشهد ، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير نبى أو صالح فيهم ، أو نبى وصالح معاً ، ولا بد فى كل عصر نم تأثم على أهل عصره يكون صالحا حجة ، ولا تخلو منه أمة يشهد هو لهم ، وتشهد لهم أمته ، ويزكى أمته ، فإن دخل صلى الله عليه وسلم فى قوله : ﴿ ويوم نبعث ﴾ إلخ بلا بأس بذكره هنا شهيداً على غير أمته من الأنبياء ، وجاز إرادة أمته فى الموصمين ، ولا تكرار ، ولأن الشهادة الأخيرة تزكية لهم ، إذ شهدوا على الأنبياء وأممهم ، وكذلك جعلناكم أمة وسطا إلخ .
ولفظ على فى الخير والشر ، والشاهد علو فى الجملة ، أو لوجه ما ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد على مَن يأتى من أمته إلى قيام الساعة ، ومنه صلى الله عليه وسلم : « حياتى خير لكم تحدثون ويحدث لكم ومماتى خير لكم تعرض علىَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله تعالى عليه ، ما رأيت من شر استغفرت الله تعالى لكم وتعرض على القرابة » قال صلى الله عليه وسلم : « لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور » رواه ابن أبى الدنيا عن أبى هريرة .
وقال صلى الله عليه وسلم : « إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا » رواه أحمد عن أنس ، وروى داود مثله عن جابر ، وزاد : وألهمهم أن يعملوا بطاعتك .
وقال صلى الله عليه وسلم : « أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرون ويساءون » رواه ابن أبى الدنيا عن أبى الدرداءن فكان أبو الدرداء يقول : اللهم إنى أعوذ بك أن يمتنى خالى عبد الله بن رواحة إِذا رأيته بقول ذلك فى سجوده .
﴿ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ بعطف يوم نبعث من كل أمة على يوم نبعث السابق ، ويقدِ ما قدر فيه لبُعده ، والأول يشمل الشهادة للأمم وعليها ، كما مرّ ، وهذا فى الشهادة عليها فقط لزيادة الزجر ، وهذا التأسيس أولى من أن يقال : هذا تفسير للسابق ، أو أن يقال : الشهادة عليهم بمعنى الإخبار عنهم إسلاما وكفرا ، والأصل عدم التفسير ، والأصل أن على للضرر ، ومن أنفسهم من جنسهم أولاد من المعاشر لهم اللائق ، ولو فسر بامسب لأشكل بلوط وشعيب ، إذ ليس هما من نسب أقومهما ، إلا أن يحمل على النسب تحقيقا أو حكما ، فإنهما من النسب حكما لعشرتهما لهم ، أو من يكون نسبهم مثلهما شهد فى مقامه صالح من نسبهم ، أو يعتبر الغالب .
﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾ يا محمَّد ﴿ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ ﴾ أمتك فى إنزال هذا عليها زجر عظيم إلى آخرها ، ويجوز أن يفسره هؤلاء شهداء الأمم ، وهم أنبياؤه فهو شهيد على الأنبياء ، وذلك لعلمه بعقائدهم ، واستجماع شرعه لقواعدهم ، ولأنه مرسل إلى الأنبياء وأممهم ، فالأنبياء كآحاد أمته ، ولا مانع من تكرير الشهادة ، والنبى صلى الله عليه وسلم يزكى أمته ، وقوله تعالى :
﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾ كهذه فى احتمال أن هؤلاء هم الأنبياء وزعم بعض أن الشهيد عشرة أجزاء من الإنسان : الأذنان ، والعينان ، والرجلان ، واليدان ، والجلد ، واللسان ، فذلك شهيد على الإنسان عن نفسه .
ويرده المقابلة بقوله تعالى : ﴿ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ وقوله تعالى : ﴿ من كل أمة شهيداً عليهم ﴾ فالشهادة على الأمة لا على نفسه ، ولعل قائله أراد الوعظ لا حقيقة التفسير ، وكل ما لا يجوز التفسير به لا يجوز ما يوهم أنه تفسير .
﴿ وَنزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تبْيَانًا لِكُلِّ شَىْءٍ ﴾ من التوحيد أو منه ، ومن الفروع ، لأن ما يقول النبى صلى الله عليه وسلم من الوحى وغيره ، وما يقول العلماء هو فى القرآن والحديث مثل : ﴿ وما آتاكم الرسول ﴾ و ﴿ ما ينطق عن الهوى ﴾ وقوله : « عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين » أو من الدين والدنيا ، ولو تفاوت الناس فى القرآن بقوة الفهم وضعفه ، قال ابن عباس : لو ضاع لى بعير لوجدته فى القرآن .
﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ عطف على أنزل من السماء ماء ، أو على أوحى ربك ، أو على أخرجكم ، أو الواو للحال ، وصاحبها ن من جئنا ، أو كاف بك ، على تقدير : ونحن نزلنا ، أو قد نزلنا وقد أجيز كون الماضى ولو متصرفا مثبتا مجرداً من قد حالا مع مرفوعه ، والحال محكية ، ولزمان لا يجرى على الله ، ومَن قبل بجريانه عليه احتل توحيده ، لأنه تعالى والخالق له قليلا قليلا ، والقرآن فيه بيان كل شئ ، بتصريح أو فهم أو سنَّة أو قياس ، وأما الإجماع فمأخوذ من ذلك إلا أنه بعد ذلك خفى موضع استنباطه من ذلك على غير المجمعين ، والمراد كل شئ ما يحتاج إليه من أمر الدين ، وللمسلمين نعت : لهدى ورحمة وبشرى ، أو تنازعت فيه فيقدر لفظ لهم لما أهمل ، والهاء عائد إلى المسلمين ، وخص المسلمين لأنهم المنتفعون ، أو لا تنازع ، ولكن المراد هدى ورحمة لكل أحد ، كما قال عز وجل : هدى و رحمة للعالمين وبشرى للمسلمين خاصة .
وبشرى بمعنى التبشير اسم مصدر ، والتبيان التبيين البليغ ، ولا يوجد تفعال بكسر التاء فى المعانى المصدرية إلا تبيان وتلقاء بمعنى اللقاء ، كما روى ثعلب عنا لكوفيين ، والمبرد من البصريين ، وذكره الزجاج بلا حصر ، وقيل له الزجاج ، لأنه كان ينحت الزج ، وهو ما يثبت فيه أصل الرمح .
وباقى المعانى المصدرية كلها بالفتح : كالتستار ، والتذكار ، والتكرار ، والتهدار ، والتلعاب ، وغير المعانى المصدرية بالكسر وصفا أو غيره : كالتمساح والتمثال ، وتقصار لقلادة المرأة ، وتعشار وتبراك لموضعين ، ورجل تكلام وتلقام وتلعاب ، وناقة تضراب قريبة بضراب الفحل ، وتمراد لبيت الحمام ، وتلقف لثوبين مفلوفين ، وتجفاف لما تجلل به الفرس ، وتهواء لجزء ماض من الليل للقصير اللثيم وتيفاف لموافقة الهلال .