سورة الإسراء
الجزء الإسراء · صفحة ٠﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ ﴾ خوف الغرق ، فإن الخوف ضر أو الضر ما تخافون به الغرق كشدة موج البحر ، ودخول طرفها فى تراب أو شق جبل ، أو تعرض سمكة عظيمة لها ، وشدة الريح وضرب جبل .
﴿ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ ﴾ تطلبون أو تعبدون ﴿ إِلا إِيَّاهُ ﴾ كانوا يعبدون معه ويطلبون الآلهة ، فإذا مسهم الضرّ لم يطلبوا ولم يعبدوا إِلا الله ، لعلمهم أنه لا ينجيهم من الضر إلا الله ، فضلَّ بمعنى ذهب عن خواطركم ، أو ضلَّ عن إغاثتهم أى لم ينفعكم ، أو لم يهتد إِلى نفعكم ، وإن لم تعتبر عبادتهم الله وطلبه لقلتها منهم ، أو لبطلانها بالإشراك فالاستثناء منقطع .
﴿ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ ﴾ من الغرق ﴿ إِلَى الْبَرِّ ﴾ ونجاهم على ما مضى منهم من ذلك ، ولذلك لم يقل وإذا نجاكم ، كما يدل له قوله عز وجل : ﴿ أم أمنتم أن يعيدكم ﴾ إلخ .
﴿ أَعْرَضْتُمْ ﴾ عن تخصيص الله بالطلب والعبادة ، ورجعتم إلى الإشراك ، وأعرضتم عن ذكره بعد تخصيصه فى البحر حين خفتم بالذكر أو توحيده أو شكره بالتوحيد والعبادة .
روى أن عكرمة بن أبى جهل رضى الله عنه ، فر إلى جدة ليركب البحر لما فتحت مكة ، ووافى الرئيس يقول لمن يريد الركوب : أخلصوا وهم مشركون فيقولون : لا إِله إِلا الله ، لئلا يصيبهم غرق فقال : هذا ما يقول محمد ، قد أقروا به ، ففيم الفرار منه واتفق أن زوجه أرسلت إليه أن ائت وآمن ، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم يقبل من يأتيه مؤمناً فأتى وآمن .
ويجوز على بعد لعدم دليل أن يكون معنى أعرضتم توسعتم فى المكارم ، كمن أخذ فى عرض الشئ ضد الطول كقول ذى الرمة :
عطاء فتى تمكَّن فى المعالى … فأعرض فى المكارم واستطالا
أى أخذ فى عرضها وطولها ، وكل جسم له عرض إما بزيادة الطول عنه ، أو بالاعتبار كلمح طوله وعرضه سواء ، واعتبر الطول بأعلاه ، والعرض بجوانبه فالمراد بالعرض العرض العظيم ، فإذا عظم المرض فالأصل أن يكون الطول أكثر منه ، فالمراد أعرضتم والتسطلتم ، يقال لو كان الله جوهراً لكان له حيز ، واحتاج إلى محل ومحدث أو جوهراً لاحتاج إِلى ذلك ، ولم يقدر على أفعاله .
قيل لعالم : أثبتِ اللهَ لى بلا ذكر جوهر وعرض ، فقال : هل ركبت السحر ، وعصفت الريح ، وأشرفت على الغرق ، وأبست ممن معك وغيرهم من الخلق أن ينجوك ، وتعلق قلبك بشئ غيرهم أن ينجيك؟ قال : نعم ، قال : فذلك الغير هو الله عز وجل ، فاستحسن ذلك ، وكذا كل ما لا يخطر فى قلبك معه غير الله سبحانه .
﴿ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ كثير الكفران وعظيمه فى الجملة ، لأنهم أعرضوا ، والكفران جحود النعمة ، ومن شأنها أن تشكر باطاعة ، فإذا لم تشكر فكأنها لم تقع على الكافر لها ، فضلا عن أن يشكرها ، والمراد مطلق الإنسان على إرادة الجنس لا كل فرد .
وإن قلنا هو هؤلاء المخاطبون فعلى طريق الالتفات إذ لفت الكلام عن أن يقول : وكنتم كافرين لطفًا بهم واستجلابًا .