سورة الإسراء
الجزء الإسراء · صفحة ٠﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ ﴾ بأشياء لم تجتمع للجن والملائكة وسائر الحيوانات ، كحسن الصورة ، قال الله عز وجل : ﴿ فأحسن صوركم ﴾ وقال فيهم : ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ وقال : ﴿ لقد خلقا الإنسان فى أحسن تقويم ﴾ وكاعتدال المزاج لجعل قوتهم أطيب الأقوات ، وجعل لغيرهم ما دونه وما فضل منه ، وما خبث ، وكاعتدال القامة وانتصابها ، وكالتمييز بالعقل والإفهام بالنطق ، والإشارة باليد والعين والرأس ، والكتابة ، وبها يجتمع لمن تأخر علوم من تقدم ، قال الله جل وعلا : ﴿ اقرأ باسم ﴾ إلخ وقال : ﴿ ن ﴾ إلخ وعنه قيل : « أو أثارة » الخ .
وكالاهتداء إِلى أسباب المعاش والمعاد ، والتسلط على الأرض وحيوانها ، وما فيها كشرب ما بها ، والاغتسال به ، والحرث والغرس ، وأكل ثمارهما ، وسائر ثمارها ، وصيد برها وبحرها ، وسخر لكم البحر لتأكلوا إلخ ، وهوائها وهو من مواد الحياة ، ولولا الريح لأنتنت الأرض ، وبالنار وبالاستضاءة بها ، وبمعادنها وكتناول الطعام باليد . قال ابن عباس : كل حيوان يتناول طعامه بفيه إلا الإنسان فبيده ، ويصدر هذا من هر وقرد ، إِلا أنه لا فضيلة لأكلهما باليد ، لأنهما من ذوات الأربع ، إِذ يطآن الأرض بأيديهما ويمسحان القاذورات بها مع قلة أكل الهر بها ، وكتزين الرجال باللحى والنساء بالنواصى ، وعبارة بعض بالذوائب ، قيل : ويخلق أبيهم آدم بيده ، وبأن منهم خير أمة أخرجت للناس ، والتكريم جعل الشئ ذا شئ كريم ، أى شئ مستحسن ، ولا يعتبر فى مفهومه الإضافة إلى الغير ، بخلاف التفضيل .
﴿ وَحَمَلْنَاهُمْ فِى البَرِّ ﴾ على الدواب ﴿ وَالْبَحْرِ ﴾ على السفن ، وليس المراد عدم دخولهم فى الأرض والماء بالبقاء على ظهرهما ، لأن الحيوانات شاركتهم فى ذلك قبل .
﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ مما يستلذ أكلا وشرباً ، ولبساً وركوبًا واقتناء ، وغير ذلك .
﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ قيل : بالتعريض لاكتساب ما فيه النجاة ، والزلفى بواسطة ما كرمناهم به ، ويشكروه ، وقيل : بالغلبة يلزم أن لا يكون أفضل من الجن والملائكة ، لأنهم لم يقولوا على الجن والملائكة ، فالكثير هم غير الجن والملائكة ، وقيل : بالشرف ، فغير الكثير الملائكة ، وهم أفضل من الإنسان ونسب لابن عباس والزجاج ، وقيل : غير الكثير خواص الملائكة فخواصهم أفضل من الإنسان ، والإنسان أفضل من سائرهم ، وخواصهم هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ، وحملة العرش ، والذى يكون صفًّا وسائر الملائكة صفًّا .
وقيل : الناس أفضل من سائر الملائكة وغيرهم ، إلا أنه فسد من فسد بعد هذا بالمعاصى منهم ، فصيّع هذه الفضيلة ، وكثير على هذا بمعنى الكل ، كما يستعمل الأكثر بمعنى الكل ، قال الله عز وجل : ﴿ هل أنبئكم على من تنزَّل الشياطين ﴾ إلى ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ وقوله : ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾
وعن جابر بن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة : ربنا إِنك أعطيت بنى آدم دنيا يأكلون ويشربون ، وينكحون ويتمتعون ، ولم تعطنا ذلك ، فأعطنا ذلك فى الآخرة فقال : وعزتى لا أجعل ذرية من خلقته بيدى كمن قلت له كن فكان » ومعنى خلقته بيدى أمرت بتراب فاجتمع ، بل أمر الملَك فجمعه وكوَّنه منه ، بعد أن كان طيناً ، ثم صلصالا بإرادته ، وذلك كعمل باليد ، ولعل الحديث لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم لأنه ليس فى طبع الملائكة التلذذ بغير العبادة ، ولا طلبه ، فإن صح عنه صلى الله عليه وسلم فذلك بأن أحدث الله فيهم ذلك التمنى ، ثم أزاله ، كما أحدث فى طبع هاروت وماروت اشتباه النكاح ، وشرب الخمر ، ونحو ذلك فيما قيل على أنهما مَلَكان بفتح اللام .
وعن أبى هريرة : المؤمن الواحد أفضل عند الله من جميع الملائكة ، لأنه أطاع الله مع وجود دواعى المعاصى وقال الحنفية : خواص بنى آدم وهم المرسلون أفضل من جملة الملائكة ، وخواص الملائكة أفضل من عوام بنى آدم ، والأتقياء والزهاد أفضل من عوام الملائكة .
ويقال : عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة ، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة ، وخطأوا الزمخشرى فى تفضيل جبريل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبارة بعض الرسل من البشر أفضل مطلقاً ، ثم الرسل من الملائكة أفضل مطلقاً من البشر والملائكة ، ثم عموم الملائكة ، ثم عموم البشر . ونسب لأبى حنيفة وكثير من الشافعية ، وقيل بتعميم تفضيل الكمَّل من البشر نبيًّا أو وليًّا ، وقيل : بتفضيل الكروبيين من الملائكة مطلقاً ، ثم الرسل من البشر ، ثم الكُمَّل منهم ، ثم عموم الملائكة على عموم البشر .
إسجاد الملائكة لآدم فضيلة لأولاده عليهم ، ومذهبنا تفضيل الملائكة مطلقاً ، لأنه لا تصدر منهم المعصية ، وما خالف هذا فأخذ من قومنا ، ثم إنه لا يلزم من تفضيل جنس الإنسان على جنس الملَك ، تفضيل أفراد الإنسان على الملائكة ، ولا يلزم من عدم تفضيل جنس الإنسان على الملائكة ، عدم تفضيل بعض أفراده ، ولا يختلف فى أن الملائكة أكثر عدداً من الجن والإنس ، لأحاديث : « أطَّتِ السماء وحَقَّ لها أن تَئطّ ما من موضع قدم منها إلا وفيه ملَك راكع أو ساجد » والمراد السموات ، ولا تنزل قطرة إِلا ومعها ملَك لا يرجع ، ويدخل كل يوم البيت المعمور سبعون ألف ملك ، ولا يعودون إليه .