تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الكهف

الجزء الكهف · صفحة ٠
[سورة الكهف — آية 11]

﴿ إِذْ أَوَى ﴾ التجأ ﴿ الْفِتْيَةُ ﴾ جمع فتى وهو الشاب من كل حيوان وهم مرد ، وأظهرهم للتنصيص على وصفهم بصغر السن ، وهم سبعة مسورون بالذهب ، ولهم ذوائب ، والصحيح أن الكهف فى ناحية طرسوس فى المشرق لا فى المغرب ، ففى الشام كهف فيه موتى يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف ، وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ، ومعهم رمة كلب .

وقال الإمام أبو حيان : فى جهة غرناطة قرب لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة ، انجرد لحمه وتماسك بعضه ، وقد مضت القرون ولم نجد من علم شأنهم ، ويزعم الناس أنهم أصحاب الكهف .

قال أبو حيان : قال ابن عطية : دخلت عليهم فرأيتهم سنة أربع وخمسمائة ، وهم بهذه الحالة ، وعليهم مسجد ، وقريب منهم بناء رومى يسمى الرقيم ، كأنه قصر مخلق قد يفنى بعضه ، وهو فى فلاة من الأرض خربة ، وبأعلى قصر غرناطة مما يلي القبلة ، آثار مدينة قديمة يقال لها : دقيوس ، وجدنا فى آثارها غرائب .

وقال أبو حيان : وحين كنا بأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ، ويذكرون أنهم يغلطون فى عدتهم ، إذا عدوهم ، وأن معهم كلبًا؛ يرحل الناس إلى لوشة لزيارتهم ، قال : وقد مررت مراراً كثيرة على المدينة القديمة العظمى المذكورة ، وشاهدت فيها أحجاراً عظيمة .

قال : ويترجح كون ذلك بأندلس لكثرة دين النصارى بها ، ولأن الإخبار بما هو أقصى من أرض الحجاز أغرب وأبعد أن يعرف إلا بوحى من الله عز وجل اه .

وهو مخالف لما يذكر عن معاوية ، أنه مر بالكهف وأراد دخوله ، فمنعه ابن عباس .

﴿ إِلَى الْكَهْفِ ﴾ إذ ظرف لعجبًا أو مفعول لا ذكر ، لا متعلق بحبست ، لأنه ليس صلى الله عليه وسلم فى وقت أو يهم إلى الكهف ، وكانوا شبانًا كما سماهم فتية ، وهم من أشراف الروم على سن واحدة أو متقاربون ، آمنوا بالله وبعيسى عليه السلام ، أرادهم دقيانوس على الإشراك ، وهو ملك الروم ، فهربوا إلى الكهف قريبا من بلدهم ، وقيل : كان ذلك قبل عيسى عليه السلام فى فترة ، فكان إِيمانهم عبرة وتفكراً فى عظمة ملك الله وقدرته ، ولم يأتهم وحى ، ولم يقرءوا كتابًا ، ولم يعلمهم أحد بعثه الله عز وجل ، وهم فى الكهف ، ورفعه الله بعد ثلاث وثلاثين سنة .

ومضى بعد ذكر زمان طويل فبعثهم الله من نومهم ، وأطلع أهل ذلك العصر على حالهم ، ليَعْلموا أن الله يبعث الموتى ، تزوَّدوا من بيوت آبائهم ، وتصدقوا وهربوا خوفًا من أن يقهروا على عبادة سلطانهم دقيانوس ، وهم معه فى مدينة أفسوس من مدائن الروم ، والعرَب تسميها طرسوس ، قيل : كانوا يبعثون واحداً منهم يشترى لهم الطعام من المدينة خيفة ، قيل : جلسوا يوماً عند الغروب يتحدثون ، فأَلقى الله عليهم النوم ، كما قال عز وجل :

﴿ وضربنا على آذانهم ﴾ الآية .

﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾ إنعاما بالمغفرة والرزق والأمن من العدو ، والنجاة من الشرك .

﴿ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾ سيّر لنا ، أو أحضر لنا صوابًا ، وأصل التهيئة إحداث هيئة الشئ ، واستعمل فى مطلق إعداده وإحضاره وأمرنا الأمر الذى نحن عليه من مفارقة الكفار ، والأهل والوطن ، ومن للابتداء أو السببية ، والرشد الصواب بأن تثبتنا على الهداية والانقطاع عن الدنيا بعبادتك ، أو استخرج من أمرنا الذى نحن عليه من الحق رشداً مبالغة منهم بأَن يتولد من صوابهم صواب آخر ، وذلك من التجرد البديعى الواقع بمن ، نحو : رأيت من زيد الأسد ، ورأيت منه البحر فى مبالغة وصفه بالشجاعة والجود ، ويكون فى وبغيرها كما ذكرته فى بيان البيان :

يا رب هيئ لنا من أمرنا رشدا … واجعل معونتك الحسنى لنا مددا

ولا تكِلنا إلى تدبير أنفسنا … فالنفس تعجز عن إصلاح ما فسدا

أنت الكريم وقد وجهت يا صمد … إلى جنابك وجهاً سائلا ويدا

والرجاء ثواب أنت تعلمه … فاجعل ثوابى دوام الستر لى أبدا

فأَجب دعائى يا جواد كما أجبت دعاءهم فى ضمن قولك تباركت وتعاليت :

﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ ﴾ حجابًا مانعًا من السمع ﴿ فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ أى أنمناهم ، واستعمل ما وضع لضرب الحجاب على الشئ حتى لا يحس فى معنى الإنامة على الاستعارة المكنية والتمثيلية ، لجامع إسقاط الإحساس ، وعدداً نعت سنين ، وصفها به تقليلاً لها ، لأن هذه لبثهم كيوم أو بعضه عنده ، وهى ثلاثمائة سنين وتسع سنين ، وذلك كتقليل الكثير فى مقابلة ما لا يحصى كثرة أو تكثراً لأنها فى نفس اأمر عدد كثير ، والله قادر على تلك الكثرة .

ومعناه سنين معدودة ، أو ذوات عدد ، وقدر بعضهم تعد عدداً ، والكثرة تناسب كمال الندرة ، والقلة تناسب نفى كون قصتهم عجباً من دون سائر الآيات العجيبة التى كثرت فى القرآن ، ونص على الآذان لأنه يحصل النوم بالضرب علهيا ، وبالنوم يبطل كل إحساس .

٢٬١٥١ / ٦٬٢٣٦