سورة الكهف
الجزء الكهف · صفحة ٠﴿ وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ﴾ كما اختلف الناس فى عددهم اختلفوا فى مدة لبثهم ، فهذا من جملة كلام الناس فى أهل الكهف ، قيل : قال بعض اليهود : ثلاثمائة سنين ، وبعض ثلاثمائة سنين وتسع ، كما قال الله عز وجل :
﴿ وَازْدَادُوا ﴾ أى أصحاب الكهف لا الناس ، أو أهل الكتاب كما قيل ﴿ تِسْعًا ﴾ ولكونه من كلامهم لا من كلام الله عز وجل قال :
﴿ قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ﴾ يلبثهم ، أى بمدة لبثهم ، فيكون من حين قوله عز وجل ، فالمعنى أنهم لبثوا ثلاثمائة وتسعا ، وهو أعلم به ، وهو الحق لا ما خاض الناس فيه من غير هذا العدد ، وازدادوا للناس ، أى ازدادوا فى العد ، ولأصحاب الكهف ، أى ازدادوا للناس ، والصحيح أنه من كلام الله سبحانه .
لما نزلت الآية قالت نصارى نجران : أما ثلاثمائة فقد عرفناها ، وأما التسع فلا علم لنا بها ، فنزل : ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ أى لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين قمرية ، أو ثلاثمائة عجمية شمسية ، فتكون ثلاثمائة وتسعا عربية قمرية ، كما روى عن علىّ ، وذلك للبيان وللرد على مَن خالف قال : ما نزل ولم يقل ثلاثمائة سنين وتسعا ، ونسب ذلك لأهل الكتاب ، وقيل عن الحساب والمنجمين السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسون يوما ، وخمس ساعات ، وتسع وأربعون دقيقة ، والقمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وثمانى ساعات وثمان وأربعون دقيقة ، والتفاوت بين الحسابين قليل ، وقيل : قال بعض أهل الكتاب ثلاثمائة ، وقال بعض ثلاثمائة وتسع ، ومعدود تسع سنون كما هى المذكور قبل ، ولو أريد تسع ساعات أو ليال جمع ليلة ، أو تسع جمع لذكر ذلك ولو أريد تسعة أيام أو أشهر لقرن بابقاء على الأفصح ، ولذكرت الأيام أو الأشهر ، إذ لا دليل عيها ، ومنتهى ذلك العدد وقت نزول القرآن فهم عند مجاهد ، ووقت موتهم عند الضحاك ، ووقت تغيرهم البلاء فى قول ، ووقت اطلاع الناس عليهم فى آخر .
ويروى أن ابن عباس مر فى غزوة بالكهف ، فوجد هو ومَن معه عظاما فقالوا : هى عظام أهل الكهف ، فقال أولئك قوم فقدوا مدة طويلة ، وفنوا ، فقال راهب : ما كنت أحسب أن أحداً من العرب يعرف ذلك ، فقيل له : هو ابن عم نبينا صلى الله عليه وسلم .
وعنه صلى الله عليه وسلم : « ليحجن عيسى وأصحاب الكهف ويعتمرون ويمرون بالروحاء وهم حينئذ حواريون ويتزوج ويولد له ويزورنى فى قبرى ويموتون عن رفع القرآن والكعبة » والله أعلم .
وسنين عطف بيان بالنكرة ، أو بدل ولو كان لا يصح فى المعنى جعله فى مقام المبدل منه ، على أن يراد بقولهم فى نية طرح المبدل منه أن المقصود بالذات البدل ، وعن الضحاك : نزل ثلاثمائة ، فقيل : يا رسول الله أياما أم أشهرا أم سنين ، فأنزل الله سنين .
﴿ لَهُ ﴾ لا لغيره ﴿ غَيْبُ ﴾ علم غائب ﴿ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ، أى ما غاب عنكم فيهما ، فهو العالم بأصحاب الكهف وشأنهم كله على الحقيقة ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ أى به حذف لشبه الفضلة لفظا : كامرر بزيد ، وإلا فالهاء فاعل ، والفاعل لا يحذف إلا للضرورة ، أو للساكن صارت هنا ضمير رفع ، والهاء صلة واستساغ ذلك دخول الباء ، فكانت على أصلها من أنها ضمير إما للجر أو للنصب ، وذلك أن أبصر وأسمع فعل ماض على صورة الأمر ، جاءت الها لكونه على صورة الأمر ، ولأنها لا تدل على المستتر فبرز لتدخل عليه ، وذلك عكس ما شهر من مجئ الماضى بمعنى الأمر ، أو الدعاء ، وبهذا ضعف هذا القول وهو لسيبويه ، وضعفه بعض أيضا بأن زيادة الباء فى الفاعل قليلة نحو : ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ وأن المطرد زيادتها فى المفعول ، ومذهب سيبويه مبنى على أن ما أفعله وأفعل به بمعنى صاروا كذا .
ولا نسلم أن زيادة الباء مطردة فى المفعول ، وقال الأخفش : فعل أمر خطأ بالكل أحد على البديلة لا الشمول ، فالباء زائدة فى لفظ يقال له مفعول به إن كانت همزة أفعل للتعدية ، وإن كانت للصيرورة بالباء للتعدية ، وقد علمت أنا لا نسلم زيادة الباء فى المفعول اطراداً ، وهمزة التعدية أكثر من همزة الصيرورة ، لا كما قيل : كلتاهما غير مقيسة ، ويجوز أن تكون الهمزة معدية ، ويقدر المفعول أى أبصر الناس بدينه ، وأسمعهم به .
ومعنى أحسن يزيد على مذهب الأخفش الأمر لكل أحد أن يصفه بالحسن أى صفه بالحسن كيف شئت ، فإنه أهل لأن يوصف بكل خير ، لأنه جمع الخير ، وهذا المعنى أظهر فى التعجب .
والمعنى عند سيبويه : صار ذا كذا ، ثم نقل إلى التعجب ، ثم نقل إلى صيغة الأمر ، بمعنى الإنشاء الذى فى مثل قولك فى الدعاء : رحمه الله ، ورضى عنه لا الذى هو معنى فعل الأمر نحو : قم ، والآية تعجيب لعلم الله الأشياء المبصرة بالعين كلها ، وعلمه الأصوات كلها ، لا يخفى عنه شئ من ذلك ، وإن دق وعلمه بكل شئ من السياق من قوله غيب السموات والأرض ، ومن غير الآية أو أبصر به وأسمع عبارة بالكناية عن كل شئ ولو كان مما لا يسمع ولا يبصر كالاعتقادات .
﴿ مَا لَهُمْ ﴾ لأهل السموات والأرض المدلول عليهم بذكر السموات والأرض ودخل فيهم أصحاب الكهف ، ومن اختلفوا فى عددهم دخولا أوليا ، لأن الآية فى شأنهم لا كما قال ابن عطية : الهاء لكفار عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا لمؤمنى السموات والأرض ، كما أجيز ، ولا للمختلفين فى عدة لبث أَصحاب الكهف . كما قيل .
﴿ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ ﴾ يتولى أمرهم من خير أو شر أو غيرهما .
﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ ﴾ فِى قضائه أو فى أمره الشامل للفعل ، لا يشاركه أحد فى قول أو فعل ، ولا يعاونه ولا يشاوره ﴿ أَحَدًا ﴾ من خلقه .