سورة الكهف
الجزء الكهف · صفحة ٠﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ﴾ تلمسان وأهلها أشحاء إِلى الآن ، وقيل : قرية فى الجزيرة الخضراء من أندلس ، روى القولين بعض المشارقة ، ولعل المراد أنها قرية فى أرض هذه العدوة ، تقابل الجزيرة الخضراء من عدوة أندلس ، وقال الجمهور : القرية أنطاكية وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما .
وروى ابن أبى حاتم من طريق قتادة أنها برقة ، وهى على المشهور فى المغرب الأدنى إِلى المشرق ، وقيل : قرية بأرض الروم ، وأخرج ابن أبى حاتم ، وابن مردويه أنها باجروان ، فاختار بعض أنها بنواحى أرمينية .
وأخرج ابن أبى حاتم ، عن محمد بن سيرين : أنها أبلة بشد اللام ، وقيل : ناصرة على الساحل ، تنسب إليها النصارى ، ولا يوثق بشئ من ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أتيا أَهل قرية لثامًا » .
﴿ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ﴾ نعت قرية ، وجواب إِذا : ﴿ قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ وقال أبو البقاء وغيره : جواب إذا هو قوله : ﴿ استطعما ﴾ وقوله : ﴿ قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ مستأنف ، والمختار أنه نعت ، وجواب إذا ﴿ قال لو شئت ﴾ إلخ ولم يقل استضافا لأنهما أرادا مطلق الإِطعام ، وبما أمكن لا خصوص الإضافة ، والميل إلى بيت أحد .
ورأيت منذ خمسين عامًا فى زمان الشبيبة أبياتًا للصلاح الصفدى يسأل فيها السبكى ، وهى فى شرح الدمامينى على المغنى ، الذى ألفه فى الهند الذى يقول فيه : قال أقول أبياتًا فى السؤال عن تكريم ذكر أهل إذ لم يقل فانطلقا حتى إِذا أتيا أهل قرية استعطعماهم ونصها :
أسيدنا قاضى القضاة ومَن إِذا … بدا وجهه استحى له القمران
ومَن كفُّه يوم النَّدَى ويراعه … على طِرسه بحران يلتقيان
ومَن إن دجت فى المشكلات مسائل … جلاها بفكر دائم اللمعان
رأيت كتاب الله أفضل معجز … لا فضل مَن يهدى به الثقلان
ومن جملة الإعجاز كون اختصاره … بإيجاز ألفاظ وبسط معان
ولكننى فى الكهف أبصرت آية … بها الفِكر فى طول الزَّمان عنانى
وما هى إلا استعمعا أهلها فقد … ترى استطعماهم مثله ببيان
فما الْحِكْمة الغرَّاء فى وضع ظاهر … مكان ضمير إن ذاك لشانى
فأرشد على عادات فضلك حيرتى … فما لى لها عند البيان يدان
فأجابه السبكى : بأن استطعما أهلها نعت لقرية لا جواب لإذا ، لأن كونه جوابًا لإذا يوهم أن قصدهما كله أو معظمه الأكل ، وليس كذلك بل قصدهما كله إظهار عجائب إعظاما لله عز وجل ، ولا نعت لأهل لأنه يوهم أن القصد بيان حال الأهل ، من حيث هم هم ، ولا يكون للقرية أثر فى ذلك ، وليس كذلك فإنا نجد بقية الكلام مشيراً إليها نفسها .
قلت : فى هذا التعليل نظر ، لأن أهلها جرى لهم ذكر فى قوله : ﴿ استطعما أهلها ﴾ ، وفى قوله : ﴿ أبوا أن يضيِّفوهما ﴾ بل وفى قوله : ﴿ لاتخذت عليه أجراً ﴾ لأن أخذ الأجر عنهم لا عن قريتهم ولا فرق بين جريان الذكر للقرية ، ولهم فى أن ذكر إحداهما بالذات ، والأخرى بالعرض ، وأجاز الأوجه الثلاثة ، واختار نعت القرية ، وأجاز كون الأهل الثانى غير الأول ، أو بعضا من الأول ، وبعضا من غيره فكان الأظهر فإن من أتى قرية يلتقى أولا ببعضهم ، ثم بالبعض الآخر ، فقد تشير الآية إِلى أنهما استقصياهم أو جلهم فأبوا ، وللبقاع تأثير فى الطباع .
ويجوز أن تكون نكتة التكرار التحقير لهم بذكرهم باسم الأهل مرتين ، وصفهم بالإباء ، إِذا أردت تقبيح عمرو بتأكيد قلت عمرو بخيل ، عمرو جبان ، وكون المعرفة عين الأولى هو الأصل ، والكثير لا واجب ، ولذا صح أن يكون الثانى غير الأول ، أو يقال الأهل الأول البعض ، والثانى أعم إِذ فى إبداء دخول الرية لا يمكن إِتيان أهلها ، ولا سيما أنه روى أنهما دخلاها عند غروب الشمس فذلك مرور على بعض والأكثر صُبحا .
وروى أنهما يمشيان على مجالسهم يستطعمانهم ، ولو جئ بالضمير لفهم أنهما استطعما البعض ، وقيل : الأهل الأول الجميع ، وإِتيانهم الوصول إِليهم ، والحلول فيهم ، والثانى البعض سؤالهم كلهم متعذر ، والظاهر أنهما سأَلا بعض الرجال .
وعن أبى هريرة : أطعمتهم امرأة من بربر إِذ امتنع الرجال ، فلعنا رجالهم ، ودعوا لنسائهم ، والله أعلم بصحة ذلك ، واختار بعض أنهما استطعما الرجال المعتبرين بظاهر حالهم ، فأبوا وغيرهم أولى بالإباء بحسب المعتاد ، والأهلان واحد ، وذكر بعض أَنه أعيد الظاهر لئلا يلتقى ضميران . وهذا مما يذكر ليرد لكثرة ذلك فى القرآن وغيره ، ومن ذلك فدعوهم وقوله : ﴿ فأَبوا أن يضيِّفوهما ﴾ ولم أو من أجاب النظم ، فأجبت بأبيات على أَنه قد يوجد فى الإسقاط ما لا يوجد فى الإسقاط وهن :
خذ الحِكْمة الغَرَّاء استطعما لما … يلى صفة وجها لأهل اللسان
ولو جئ بالضمير لم يلف رابط … من اللفظ موجود ولا منه فانى
وجوّز أن يكون نعتا لأهلها … ورجّح أول وضعّف ثانى
ويربط باسم ظاهر هو أهلها … كقولك عبد الله قام ابن جانى
ميداً بعبد الله وابن لواحد … فذلك معنى فيه لا معنيان
وإن طلاب الطعم من عرض ولو … جوابا جعلت كان قصد جنان
بذات حشاهما وقال جواب ما … تقدم من شرط هما قاصيان
وفى جعله نعتًا لأهل إِشارة … إلى شرح حالهم وليس بدانى
فإن الكلام سِيق بعد لقرية … وليس لأهلها كما فى العيان
أو الأهل غير الأوَّلين بعينهم … أو لبعض منهم فذا مسلكان
وليس ذلك عندى ، ولكن أجبت على مقتضى جواب السبكى ، وهو المسئول إذ لا مانع من أن يكون استطعما جواب إِذا بأن ذكر الله قعنهما على ترتيبها فى الوجود ، ويعلم من خارج أن مقصودهما بالذات ليس الطعام ، مع أنه جرى ذكر الأهل أكثر مما جرى ذكر القرية ، فانظر قوله : ﴿ أبوا ﴾ وقوله : ﴿ يضيفوهما ﴾ وقوله : ﴿ لاتخذت عليه أجراً ﴾ فبان الآخذ عنهم لا عنها ، وقوله :
وفى أبوا أن يضيفوهما تشنيع ليس فى أبوا أن يطعموهما ، لأن الكريم قد يغفل عن السائل أو يرده ، ولا يعاب عليه مثل ما يعاب عليه إذا رد الوارد ضيفا ولا يرد الضيف إلا اللئيم ، ومن أعظم ما تهجو به العرب البخيل قولهم : فلان يطرد الضيف ، ودونه يحرم الضيف ، وشر القرى التى لا يضاف فيها لابن السبيل حقه .
وذكر بعض أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول الآية ، أتوا إِلى النبى صلى الله عليه وسلم يحمل من ذهب وقالوا : خذه وقيل : أتوا أن يضيفوهما بالمثناه الفوقية ، بدل الموحدة ، وقيل : أتوا فى زمان علىّ ، ولم يصح شئ من ذلك ، ولو صح لكان أخبث لهم من الشح ، إذ طمعوا أن يبدل النبى صلى الله عليه وسلم ، أو على القرآن ، ولو بالدنيا وبإِسلام أهلها كلهم ، وعطف على أتيا بقوله :
﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا ﴾ على الشارع ، بأن التجآ إليه فى ليلة باردة ، إِذ لم يجدا مأوى ، وطوله إِلى السماء مائة ذراع عن وهب بن مغبه ومائتا ذراع عن الثعلبى ، وعلى الأرض خمسمائة ذراع ، وعرضه خمسون ، يمرون تحته خائفين .
﴿ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ﴾ ينفعل من القض ، بمعنى الكسر ، والمراد السقوط بسرعة والسقوط من لازم الانكسار ، أو من الفضة وهى الحصى الصغار ، يقال : طعام قضض إذا كان فيه الحصى ، والمعنى يريد إِن يكن حصى بابًا لتفتت ، ومن لازم ذلك أن يسقط أو افعل بشد اللام من المقض ، وفيه أن فعل بشدها فى الألوان والعيوب ، كأخولّ بشدها ، ويضعف أن يقال : الانقضاض ملحق بالعيوب ، لأنه ليس موضوعًا بالذات للعيب ، ونسبة الإرادة إلى الجدار ، وإِسناد الإرادة إلى الجدار ، مجاز عقلى ، لأن إرادة الشئ سبب لقربه ، وبلزوم قربه ، فالمراد قرب وقوع الجدار ، أو استعارة بأن شبه قرب السقوط بالإرادة لجامع الميل ، أو شبه الجدار بالإنسان أو الحيوان الآخر ، ورمز إلى التشبيه بلازم الحيوان ، أو الإنسان ، وهو الإرادة .
وفى أصول الفقه أن محمد بن داود الأصبهانى منع المجاز فى القرآن ، فرد الضمير إِلى الخضر أو موسى أو الجدار ، على أن الله خلق فيه الإرادة ، وذلك تكلف .
وقال أبو حيان : لا يصح منه إنكار المجاز ، ولو صح عن أحد إنكار المجاز فى القرآن لقلنا إنه أهل لأن يكون للحوافر والأظلاف مجازاً ، وينافى إِرادتهما أن ينتقض .
﴿ فَأَقَامَهُ ﴾ إِلا أن يتكلف أن الخضر أراد هدمه ، ثم ظهر له أن يصلحه ، وأما موسى فلا وجه لإرادته أن ينتقض ، وعن أُبىّ بن كعب : أنه قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يريد أن ينقض فهدمه ثم يبنيه » ، وعن ابن عباس وابن جبير أقامه بمسحه بيده ، وقيل : أقامه بعمود عمده ، وقال مقاتل : سواء بالشيد .
﴿ قَالَ ﴾ موسى ﴿ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ ﴾ أى على إقامته بالمسح ، أو بالتعميد ، أو بالبناء بعد الهدم ، أو بالتخصيص ﴿ أَجْرًا ﴾ لا يقال هذا مانع من كون الإقامة بالمسح ، إذ لا تستحق الأجرة لسهولتها ، ولا سيما أن يكون الطالب نبيًا ، لأنا نقول : يحل طلب الأجرة ولو كثيرة على عمل ولو يسيراً ، ولو كان بسره بقدرة إِلهية غير جارية على المعتاد ، والمتبادر أن قوة نفس موسى ضعفت ، فلم يبق له السؤال إلا بهذه العبارة .
واتخذ افتعل من تخذ أدغمت تاء تخذ فى تاء افتعل ، وقيل : افتعل من أخذ ، أبدلت همزته تاء وأدغمت فى تاء افتعل ، حثه موسى عليهما السلام على أخذ الأجرة ، لأن إقامته عمل كبير ، وهما محتاجان ، ولا سيما قد حرموهما من الإطعام ، حتى كأنه سأله : لِمَ لَمْ تَاخذ الأجر ، وقد شرط ألا يسأله حتى يحدثه ذكراً ، وقد شرط على نفسه إن سأله ثالثة أن لا يصاحبه ، فقال له الخضر : ما ذك فى قوله تعالى :
﴿ قَالَ ﴾ له الخضر : ﴿ هذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ﴾ وذلك أن قوله : « لو شئت » إِلخ بمعنى إنى عالم بأنك أهل للأجرة على عملك ، فلِم تأخذوها فهو لازم الفائدة ، لا مجرد إخبار بأنه لو شاء لأخذ الأجر ، إذ لا فائدة فى هذا .
ويُبعد ما قيل إنه قال ذلك للخضر تعريضًا ، بأن إِقامته فضول بما لم يطلب منه ، مع احتياجهما وحرمانهما ، وإِنما مارقه الخضر على هذه الثلاثة ، ولم يصبر له لثقل الاعتراض عليه ، مع أن موسى عقد على نفسه الفرقة عليها ، ولأن هذه غير منكر ، لأن ترك الأجرة إِحسان بخلاف الأوليين ، فظاهرهما منكر ، ولأن الثلاثة لنفسه ، والأوليين لله كما روى عن ابن عباس ، ولو قيل إن هذا لا يصح عنه بجلالتهما عن تخحض طلب الدنيا ، والإشارة إلى الفراق المذكورة فى قوله : « فلا تصاحبنى » أى هذا فراق فى ذهنى موافق للذى ذكرت ، أو إلى الزمان الحاضر ، أى هذا الوقت فراق ، أو الاعتراض أى سبب فراق بينى وبينك إعادة الجار فى العطف على المجرورالمتصلهى الفصحى ، وإجراء الكلام عليها للتأكيد إذا لو قال هذا فراق بيننا لصح ، وذلك من إضافة المصدر إلى الظرف اتساعًا وقررها ابن الحاجب بقى .
ويقال بالمعنى لا بالوقوع تحقيقا أن يقال له حين أنكر خرق السفينة : أين تدبيرك وأنت فى التابوت ملقى فى البحر ، وكسرت ألواح التوراة بإلقائها ، وحين أنكر قتل الغلام قد قتلت القبطى بوكزة ، وحين أنكر إِقامة الجدار بلا أجر قد رفعت الحجر عن البثر ، وسقيت لبنتى شعيب بدون أجر .
وقد قيل : إنه خاطب موسى بذلك مرة عند إرادة الفراق ، ولا يصح ذلك ، قيل إلا إن قيل بالمعنى ، ولما أراد الفراق قال للخضر : أوصنى قال : كن نفاعا لا ضراراً وبشاشًا لا غضبانًا ، ودع اللجاجة ، ولا تمش فى غير حاجة ، ولا تعير امرأً بخطيئته ، وتعلم العلم للعمل به لا للتحدث به ، وقال : ادع لى ، فقال يسر الله عليك طاعته .
﴿ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ التأويل رد الشئ إِلى مآله ، والمراد هنا المئول وهو العاقبة والمآل ، وعليه متعلق بصبراً ، قدم عليه ولو كان ممول المصدر لا يقدمه للفاصلة ، وفى التعبير بما لم تستطع دون ما فعلت ، أو ما رأيت تعريض بعتاب موسى ، وللتنبيه على أن يتقوى لما يلقى إليه من التأويل ، وذلك بلا طلب من موسى ، لكن ليزول هم موسى ، وليحسن الظن بالخضر ، وقيل أمسكه بثيابه وقال : لا أفارقك أو تخبرنى بما فعلت من الخرق والقتل والإقامة ، فقال سأنبئكم إلخ .