سورة مريم
الجزء مريم · صفحة ٠﴿ ونرثُه ما يقُول ﴾ نسلبه مضمون قوله ، وهو نفس الولد والمال ، لا باعتبارهما فى الآخرة ، بل يفنى فى الدنيا ماله فيها منهما ، وذلك استخدام لأن الذى فى كلامه ما يدعيه منهما أنه فى الآخرة ، وما بدل اشتمال من الهاء ، أو مفعول به آخر لنرث على أنه يتعدى لاثنين ، ويقول للحال والماضى المستمر فى الموضعين .
﴿ ويأتِينَا ﴾ يوم القيامة ﴿ فرداً ﴾ عن ماله وولده اللذين له فى الدنيا ، فضلا عن أن يؤتى فيه بمثلهما زيادة ، أو بمثلهما فقط بخلاف المسلم وأطفاله ، أو بلغه المطيعين فتذرعين المسلم بهم ، ويزاد غلماناً فى الجنة ، أو يأتينا فرداً ويبقى فرداً ، أو حال مقدرة أى يأتينا ناوياً أن ينفرد لعلمه بالموت وما بعده أن لا يؤتى مالا ولا ولداً ، وأما أن يلد المسلم فى الجنة فلا يكون ، كما جاء من حديث لقيط الصحيح الطويل قلت : يا رسول الله أوَلنا فيها أزواج ، أو منهن مصلحات؟ قال صلى الله عليه وسلم : « المصلحات للمصلحين تلذذونهن ويلذذنكم مثل لذاتكم فى الدنيا غير أن لا توالد » .
وعن أبى ذر العقيلى ، عن النبى صلى الله عليه وسلم : « أن أهل الجنة لا يكون لهم ولد » وقيل تكون الولادة فى الجنة لحديث الترمذى ، وقال حسن غريب : « المؤمن إذا اشتهى الولد فى الجنة كان حمله ووضعه وسنه فى ساعة واحدة ، كما يشتهى » ولحديث أبى نعيم ، عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قيل : يا رسول الله أيولد لأهل الجنة؟ فإن الولد من تمام السرور فقال : « نعم والذى نفسى بيده وما هو إلا كقدر ما يتمنى أحدكم فيكون حمله ورضاعه وشبابه » .
قلت : الجواب أن المراد أنه يكون الولد فيها شاذاً ، ولا يعتبر الشاذ ، وإنما يعتبر لو شاع كما فى الدنيا ، وأيضا هو مشروط بالاشتهاء والتمنى ، فلا يلقى الله فى قلوبهم الاشتهاء والتمنى ، فلا يولد لهم ، أو يلقى قليلا شاذا .
وإذا هنا لمجرد التعليق كأنه قال : إذا اشتهى إن كان يشتهى وأيضا حديث أبى نعيم ، عن أبى سعيد ضعيف كما قال البيهقى ، وحديث الترمذى عنه غريب ، لا يعرف إلا من رواية أبى الصديق الناجى ، وقد اضطرب لفظه تارة يقول : إذا اشتهى الولد . وتارة إنه يشتهى الولد ، وتارة إذا اشتهى الولد ، وتارة إن الرجل من أهل الجنة ليولد له .
وقيل : يأتينا فرداً عن ذلك القول ، بناء على أن المراد به فى الموضعين نفس القول لا مضمونه ، فهو يبقى على التلفظ بقوله : « لأوتين مالاً وولداً » وعلى اعتقاده ، حتى يأتنيا بأن يموت فينفرد عنه وعن اعتقاده ، وهو قول ضعيف ، لأنه يقول ذلك استهزاء ، وإنكاراً للبعث .
وقد يقال : يستمر على قوله واستهزائه الى أن يموت فرداً على ذلك الاستهزاء ، وقد يقال ذلك مجاراة ومساوقة لكلام ذلك القائل ، وقيل الإرث بمعنى الحفظ بحفظ قوله : لنضرب به وجهه فى الموقف ، ويأتينا ، ولا ينال المال والولد ، كما يقال : العلماء ورثة الأنبياء ، بمعنى يحفظون شرائعهم ، ومن شأن ما ورث أن يحفظ لكن هذا الحفظ يعنى عنه قوله عز وجل : ﴿ سنكتب ﴾ ويحتمل أنه تمنى أن يعطى فى الدنيا مالا وولداص ، حتى أقسم أن يعطاهما ، فقال الله جل وعلا إنه يأتينا فرداص عنهما ، ولو آتيناه ، وهذا مع بعده ينافى ما تقرر أن سبب النزول أنه أقسم أن يؤتاهما فى الآخرة .