تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة طه

الجزء طه · صفحة ٠
[سورة طه — آية 15]

وإن قلت : كيف يجوز تعليقه باخترتك مع قوله : ﴿ إِنَّنِى أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ فإن تعليقه باخترتك يفهم أن اختياره لكون الله لا إله إلا هو ، مع أنه لم يختره لهذا فقط؟

قلت : لا حصر للاختيار فى ذلك بل تنصيص على الأهم ، أو لم يسق « إننى أنا الله لا إله إلا أنا » للدخول تحت اخترتك ، والأمر بالاستماع أمر بالتأهب لما قيل له : ﴿ استمع لما يُوحى ﴾ وقف على حجر ، واستند الى آخر ، ووضع يمينه على شماله ، وألقى ذقنه على صدره ، وأصغى بشرار شره ، وأدب الاستماع سكون الجوارح ، وغض البصر ، والإصغاء للسمع ، وحضور العقل ، والعزم على الامتثال ، وبنى الوحى للمفعول للفاصلة ، فلم يقل لما يوحى بكسر الحاء ، ورتب على وحدانية الله تعالى العبادة بالفاء فى قوله :

﴿ فاعْبُدنى ﴾ تذللك لى بكل ما أمكن وقدرت عليه . مما أمرت به خصوصاً وعموماً ، ولا يترجح أن المراد هنا التوحيد ، بل العموم ، ويدل للعموم حذف المعمول . أو لمزية الصلاة على ما بعد التوحيد ، خصها بالذكر فى قوله عز وجل : ﴿ وأقِم الصَّلوة لذْكرى ﴾ تخصيص بعد تعميم العبادة ، لاشتمالها على ذرك المعبود ، وشغل القلب واللسان . وقد سماها الله إيماناً فى قوله تعالى : ﴿ ما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ واللام متعلق بأقم أو باعبد على التنازع ، وإعمال الثانى أو من مجرد الحذف لدليل أى ائت بها مستقيمة لتذكرنى فيها ، بمعنى أنها مشتملة على الأذكار فإذا أقمتها فقد أتيت بهذه الأذكار ، أو لئلا ننسانى ، أو لتذكرنى خاصة لا تشويها برياء ، أو ذكر غيرى ، أو لتستغرق فى فاتك بالذكر .

ويجوز أن تكون الياء فاعلا فى المعنى ، أى لأن أذكرك بالثناء ، أو لذكرى إياها وإياك فى الكتب ، وما قبل هذا من الإضافة للفظ الذى يقال فى الاصطلاح مفعول به ، وكاذ إذا جعلنا اللام للتوقيت . أى لأوقات ذكرى ، وهى أوقات الصلاة « إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا » وذلك دليل على أن لا فرض بعد التوحيد كالصلاة .

ويجوز أن يكون لذكر صلاتى بعد نسيانها على حذف مضاف ، فتكون اللام للتعليل ، أو للتوقيت ، أى قضها عند تذكرها ، أو يعتبر أن ذكر الصلاة سبب لذكر الله ، فأطلق المسبب على المسب ، أو أوقع ضمير الله موقع ضمير الصلاة لشرفها ، أو المراد الذكر الحاصل منى ، فأضيف الذكر بمعنى التذكر لله عز وجل لأحد هذه الملابسات ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : « من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا استيقظ أو تذكر فذلك وقتها » ويدل لهذا قراءة قتادة : لذكرى بفتح الراء ، وبألف بعد ، أى للتذكر بعد نوم أو نسيان ، وبدل له أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم :

« إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول : ﴿ وأقم الصلاة لذكرى ﴾ » بفتح الراء بعدها ألف ، وعلل وجوب العبادة وإقامة الصلاة بقوله :

﴿ إِن السَّاعة ﴾ يوم القيامة ﴿ آتيةٌ ﴾ لا محالة حتى أنها كشىء متوجه إليك تراه مستقبلا ﴿ أكادُ أخْفيها ﴾ لا أذكرها ، ولكن ذكرتها قطعاً للأعذار ، والمقاربة مجاز ، وعن ابن عباس وجعفر الصادق : ﴿ أكاد أخفيها ﴾ من نفسى كما هو فى مصحف أبى ، وزاد فى بعض القراءات فكيف أظهرها لكم ، وكذلك فى مصحف ابن مسعود بزيادة ، فكيف يعلمها مخلوق ، وفى لفظ ابن خالويه زيادة ، فكيف أظهركم عليها ، وحقيقة ذلك محالة عن الله عز وجل ، لكن جاز ذلك مبالغة فى الإخفاء كما جاء فى الحديث : « من السبعة الذين يظلمهم الله تحت ظله رجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه » وقول الشاعر :

أيام تصحبنى هند وأخبرها … ماكدت أكتمه عنِّى من الخبر

أو أخفى أزيل الخفاء ، ويدل له قراءة فتح الهمزة ، فإنه لا يقال خفاه إلا بمعنى أزال خفاءه ، أو أكاد بمعنى أريد ، أى أريد إخفاء تفصيلها ببيان وقتها ، كقوله :

كادت وكدت وتلك خير إرادة … لو عاد من لهو الصبابة ما مضى

وقيل : آكاد زائد أى آتية أخفى تفصيلها ، وقيل أخفيها أظهرها من الأضداد كغبر بمعنى مضى ، وغبر بمعنى بقى واللام فى قوله : ﴿ لتجزى كل نَفْسٍ بما تسْعَى ﴾ متعلق بآية أى آتية بإذنى للجزاء ، أو بأخفى على معنى أزيل خفاءها ، والمعنى بما تسعاه أو بسعيها خيراً أو شراً ، أو المراد الخير تنبيهاً على أن المراد بها فى الذات إثابة المطيع ، وأما العقاب فعارض بسوء اختيار صاحبه ، والعموم أولى .

٢٬٣٦٣ / ٦٬٢٣٦