تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة طه

الجزء طه · صفحة ٠
[سورة طه — آية 64]

﴿ فأجْمعُوا كَيْدكم ﴾ إذا كان الأمر كذلك من إرادتهما الاستعلاء عليكم بدينهما ، والذهاب بطريقتكم ، فلا تتركوا شيئاً مما تكيدونهما به ، والأكثر فى أجمع أن يكون فى المعانى ، وقد يستعمل فى الأجسام ، وجمع فى الأجسام ، وقد يستعمل فى المعانى ﴿ ثم ائتوا صفاً ﴾ صيروا صفاً من باب صار ، كما يقال : ما جاءت حاجتك ، أى كيف صارت ، والمراد صف واحد من السحرة ، وهم سبعون رجلا ساحراً اثنان من القبط ، والباقون من بنى إسرائيل ، وقيل اثنان وسبعون مع كل واحد حبل وعصا ، قيل : قهر بنى إسرائيل على تعلم السحر ، أو أريد كلهم فهم صفوف ، فيكون المعنى مصطفين ، وقيل السحرة تسعمائة ثلاثمائة من الفرس وثلاثمائة من القبط ، وثلاثمائة من الإسكندرية .

وقيل اثنى عشر ألفا ، وقيل : وقيل : خمسة عشر ألفاً ، وقيل : ثلاثة وثلاثون ألفاً ، وإذا جعلنا الإتيان على ظاهره كان صفاً حالا مقدرة . ويجوز أن يكون صفا اسم موضع من ذلك المكان السوى أو هو ذلك المكان كله ، فيكون مفعولا به ، والمكان واسع ، خاطبهم موسى فى موضع منه ، وتنازعوا فى موضع منه ، ثم أمروا أن يأتوا وسطه ، ويجوز إبقاء الإتيان على ظاهره ، أن يكون صفا حالا مقدرة بمعنى ذوى صف ، بمعنى اصطفاف ، فيحتمل صفوفاً أو مصطفين كذلك .

﴿ وقد أفلَح اليَوْم مَن اسْتَعلى ﴾ من بالغ واجتهد فى أسباب العلو باستعمال كل ما قدر عليه من المكائد فيحصل له العلو بالغلبة ، وما وعد له فرعون من الأجر والتقريب ، أو أريد قوم فرعون جميعاً ، كقولهم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ، أو ذلك من كلام الله عز وجل . ومن استعلى هو موسى وهارون وهذا لا يكون إلا بتقدير أل ليوم أى قال الله : « وقد أفلح اليوم من استعلى » على أن أل فى اليوم للعهد الحضورى ، أو بجعل اليوم يوم الزينة ، وأل للعهد الذكرى ، ذكر الله لنا عز وجل أن الاستعلاء فى ذلك اليوم لموسى وهارون ، على الأوجه كلها يجوز كون استعلى بمعنى على ، أو بمعنى علا علوًّا عظيماً ، وهو أولى ﴿ قالوا ﴾ كأنه قيل فماذا كان بعد ذلك ، فأجاب بقوله : « قالوا » وقس على هذا كل ما يقبله من القرآن فلا احتاج الى التكرار لك ﴿ يا موسى إما أن تُلْقَى ﴾ خبر لمحذوف ، أى الواجب أو الأمر أو اللائق أما إلقاؤك أولا ، أو مفعول لمحذوف ، أى اختر إما أن تلقى أولا ، وإنما قدرت أولا ، لأنه فى مقابه بعد ، والأنسب للمعنى أن يكون مبتدأ ، أى إلقاؤك إما أو كما قال :

﴿ وإما أن نَكُون أول من أَلْقَى ﴾ من الفريقين ، أحدهما موسى وهارون ، والآخر نحن خيروه ثقة بنجاح عملهم وغلبتهم لهما ، أو مراعاة للأدب ، والمراد بالإلقاء العمل فى السحر مطلقاً ، إذ لا يدرون أن عمل موسى إلقاء ولا غيره ، ولو شاهد وإلقاء عصاه ، وانهزام فرعون والقوم بها على أنهم ظنوا أنه يجدد عملا آخر غير مهلك ، كما أن عملهم كذلك ، ولا مفعول للإلقاء ، على أن المعنى تستعمل الإلقاء ، وإما أن نكون أول من استعمله ، أو يقدر تلقى ما تلقى ، وإما أن تكون أول من ألقى ما ألقى ، وألقى ماض بمعنى المضارع ، استعمله للفاصلة ، أو اعتبروا وقوع الإلقاء ومضيه بعد حتى ، إذا أخبر عنه مخبر ، قال : هم أول من ألقى .

٢٬٤١٢ / ٦٬٢٣٦