سورة طه
الجزء طه · صفحة ٠قال آمنتُمْ لَهُ أأذعنتم لموسى باتباعه ، أو صدقتم به أى برسالته ، أو اللام للتعليل أى آمنتم بالله لأجل موسى ، فحذف بالله أو الهاء لرب موسى وهارون ، وفيه تفكيك الضمائر ، أن الضمير في : ﴿ إنه لكبيركم ﴾ لموسى لا للرب ، وما تقدم أولى الأن الايمان يكون بالباء مع الله ، وباللام مع غيره كقوله عز وجل : ﴿ يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ﴾ ﴿ فما آمن لموسى ﴾ ﴿ لن نمن لك ﴾ ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ ﴿ فآمن له لولى ﴾ ﴿ قبل أن آذن لكُم ﴾ أى من غير إذنى لأنه لم يقال لهم من قبل لا تؤمنوا حتى آذن لكم ، ولا عرفوا ولا اعتقدوا أنه يأذن لهم فى الإيمان كائنا ما كان ذلك كقوله تعالى : ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربى ﴾ مع أنه لا نفاد لها البتة ولا مانع أن يكون لما رأى معجزة موسى الغالبة لسحرهم فقال : لا تعلنوا الإيمان حتى آذن لكم فيه ، ذكر بعض أن الأمر يدل على إرادة الأمر الفعل المأمور به ، وليس فى الإذن ذلك .
﴿ إنَّهُ لَكبيركُم ﴾ في السِّحر ﴿ الذى علمَّكُم السِّحر ﴾ فأنتم وهو على غير مدًى ، والهدى ما أنا عليه ، وقد ضللتم عنه ، واتفقتم أنتم وموسى في ذلك علىَّ فليس إيمانكم لحجة قامت عليكم ، أو خذلكم فى التعليم لم ينصح لكم فقبلكم ﴿ فلأقطِّعنَّ ﴾ شدد مبالغة ﴿ أيْديكُم وأرْجُلكم مِن خلاف ﴾ الجانب المخالف أو الجهة المخالفة ، وهو مصدر ، كأنه قيل : من جانب ذى خلاف للآخر ، أو من جهة ذات مخالفة للأخرى ، أو مصدر بمعنى الوصف ، ومن للابتداء ، وان أبقيناه على المصدرية بلا تقدير مضاف ، ولا تأويل للوصف ، فمن بمعنى عن ، أو على ولا إشكال كما زعم بعض ، وهى متعلقة بأقطعن ، ولا حاجة الى تقدير تقطيعاً مبتدأ من جانب مخالف ، واو من جهة مخالفة ، أو لأقطِّعنَّها متخالفات ، وذلك قطع اليد اليمنى ، والرجل اليسرى ، أو الرجل اليمنى ، واليد اليسرى ، وفي بيان هذه الهيئة لهم رضى الله عنهم إخبار بأن القطع لا بد منه ، ولم يقطع وفاقا إبقاء عليهم للرحمة أو الألفة سبقت لهم معه ، أو لأنه دون القطع من خلاف في الفظاعة .
﴿ ولأُصلبِّنَّكم ﴾ شدد مبالغة ﴿ في جُذُوع النخْل ﴾ أى عليها من ظاهرها بلا حفر فيها ، شبه إعالءهم فيها مدة طويلة ، جعلهم فى داخلها لجامع التمكن استعارة أصلية ، واستعارة فى من جانب المشبه به لمعنى ، على من جانب المشبه تبعية ، وقيل : حفر لهم فى الجذوع ، أو أراد الحفر فلا استعارة ، وهو بعيد ، بل لا ندرى أوقع الصلب ، ولعله أخبرهم فرعون به ، ولم يفعل ، والطاهر أنه فعل فقيل هو أول صالب وشهر ، واستظهر بعض البقاء على الأصل ، وهو عدم الفعل .
﴿ ولتعْلَمُنَّ أيُّنا ﴾ أنا أو موسى ﴿ أشد عذاباً وأبقَى ﴾ أدوَم لم يعرف من موسى تعذيباً ولا شدة ولا طولا ، لكن استهزأ به ونسب إليه أنه يعذب بشدة ، وطول أو اتهمهم أنهم خافوا من أن يعذبهم بعصاه التى بلعت سحرهم أو أينا أنا ورب موسى الذى وعدكم موسى أنه يعذبكم إن لم تؤمنوا به ، وقد قالوا آمنا برب هارون وموسى ، أو أبقى بمعنى أعظم عطاء ، والبقاء بمعنى العطاء ، وكان يعطى لمن يرضاه ، كقول نمروذ ، وإذا ثبت فنادر ، والأنه لا وجه لذكره العطاء لهم بعد قنوطهم من فرعون ، وإقناطه لهم ، وقد يقال : الشاهد فى : ﴿ أشد عذاباً ﴾ فيكون ذكر لهم العطاء السابق ، والعذاب الحاضر ، ولا يستبعد عنه قبيحة ما من القبائح ، ألا تراه لم يؤمن وتمادى حتى طلب الموعد بعد ما رأى من العصا ، وقد قصدت بلع قبته معه ، فاستغاث بموسى ، فهو يفحش ويبرق ويرعد ، ولو رأى إقبال ما أوعد .