تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة طه

الجزء طه · صفحة ٠
[سورة طه — آية 97]

﴿ قال ﴾ موسى عليه السلام تنحّ عنى ﴿ فاذْهَب ﴾ عن الناس كلهم أو عن بنى إسرائيل ، إذ كنت مغوياً ﴿ فانَّ لك فى الحياة ﴾ لأن لك فى الحياة ، وفى متعلق بلك لنيابته عن ثابت ، أو بثابت هذا ، أو بثابت حالا من الكاف ، وأخطأ من يعلقه بتقول متمسكاً بالتوسع في الظروف . لأنه إنما يصار الى ذلك التوسع حيث لا مندوحة .

﴿ أن تَقُول لا مِسَاس ﴾ المصدر اسم أن ولم يذكر المقول له للمعموم ، يقول بأقصى صوته لكل أحد عند خوف المس ﴿ لا مساس ﴾ لك عندى أو بيننا ، وهو مصدر ماس بفتح السين مشددة ، فعل ماض للفاعلة بين الاثنين ، لا يمسه أحد ، أو يمس أحد إلا رحم من حينه حمى شديدة ، ولا يتكلم الناس له ، ولا يتبايعون معه ، ولا يؤاكلونه ، ولا يشربونه ، ولا يعاملونه معاملة ، مَّا ، ولا يلاقى وذلك عقاب له ، وكان كالوحش ، وذلك في الماس الأجنبى وبقيته الى الآن فى الشام ، لا يصافحون أحداً إلا من تحت ثوب ، وأنكر الجبائى الحمى ، وقال إنه لما هو جر ، هام في البرية كالوحش ، وكان يقول لا مساس . والصحيح الأول ، وعوقب بذلك لأنه صور العجل وعبده ليجتمع له الناس فعوقب بالضد ، وهو تفرقهم عنه ، أو لما تسبب لحياة الجماد لمعصية عوقب بالحمى التى هى من أسباب موت الحى ، أو لما نبذ فى النار القبضة للمعصية نبذ عن الناس ، وذلك بدعاء موسى عليه السلام ، ومن لك في شرعنا إبعاد الناشزة والآبق والطاعن فى الدين ونحوهم ، والجنانى فى غير الحرّم الداخل فيه امتناعاً لا يطعمون ، ولا يسقون ، ولا ينفعون حتى ينزعوا عن ذلك ، وقصة الذين خلفوا ، ويروى أن موسى أراد قتله فمنعه الله عز وجل لسخائه .

﴿ وأن لَكَ ﴾ مع ذلك ﴿ موعداً ﴾ وعداً أو زمانه أو مكانه ، وعده لجهنم لوقتها ، ﴿ لن تخلفه ﴾ لا يتركه الله لك ، ﴿ وانظر الى إلهِكَ ﴾ معبودك ﴿ الذِّى ظلْتَ ﴾ ظللت كما قرأ الأعمش وأبىّ ، حذفت اللام الأولى تخفيفاً ، وقيل الثاني لتطرفها ، ولحصول التكرار بها ، ذكر أبو حيان عن سيبويه ، أن الحذف شاذ قياساً ، وهو مختص بما إذا سكن آخر الفعل ، وقال ابن مالك ، وابن هشام : إنه يقاس فى كل مضاعف العين واللام في لغة سليم ، وقيل مقيس فى المضاعف إذا كسرت عينه أو ضمت ( عليه ) متعلق بقوله ﴿ عاكفاً ﴾ مقيماً خصه من بين عابديه ، لأنه رأسهم فى الضلال .

﴿ لنُحرقنه ﴾ بالنار حرقاً شديداً كما قال ابن عباس ، وكما بدل له قراءة أسكان الحاء ، فإن الإحراق شائع بالنار ، فهو لحم ودم كما فى مصحف أبىّ وابن مسعود : لنذبحنه ثم لنحرقنَّه ، ويجوز من يجوز التشديد مبالغة فى حرقت الحديد بالتخفيف أحرقه بضم الراء ، وإذا برده بالمبرد ، كما يدل له قراءة فتح النون وإسكان الحاء ، وضم الراء ، فإن هذا ظاهر فى الحرق بالمبرد ، وهذا ظاهر في أنه غير لحم ودم ، بن هو جماد ، ولا مانع من أنه ذهب باق خلق الله فيه اليحاة ، ويبعد ما قيل : إن التحريق بالمبرد كان للعظام ، ويقال يمكن أنه حرقه بالنار ثم بالمبرد ، وأجيز العكس ، وبحث بأن النار تذيبه وتجمعه ولا تحرقه ، وتجعله رماداً ، اللهم إلا بالحيل الصنعية .

﴿ ثمَّ لننسفَنَّهُ ﴾ لنذرينَّه ﴿ في اليم ﴾ فى البحر ، وعن على فى النهر ﴿ نَسْفاً ﴾ مصدر مؤكد ، بحيث لا يبقى منه شىء ، ويرى ، أو يؤخذ ، وشرب بعضهم من ذلك الماء حباً للعجل ، فظهرت صفرة الذهب على شفاههم ، وخص البحر أو العين لأن الماء أشد استهلاكاً ، ولأنه بأثر من تراب البحر ، وفى ذلك زيادة عقوبة للسامرى ، وإظهار لغباوة المفتونين به ، والتحريق والنسف له طاعة الله عز وجل ، فنقول قد وفى بها عليه السلام .

٢٬٤٤٥ / ٦٬٢٣٦