سورة طه
الجزء طه · صفحة ٠﴿ ولولا كَلمةْ ﴾ عدة ﴿ سبَقَت من ربَّك ﴾ بأن لا يهلك أمتك باستئصال كقوم نوح وعاد وثمود ، أكراماً لك ، كما يدل له لفظ الربوبية مضاف لضميره ، ولأن من نسلهم من يؤمن ، ولما شك الله عز وجل لَكَان الإهلاك لهم ﴿ لِزاماً ﴾ لاصقاً بهم ، فجأة ولا يتأخر كخصم ملح ، كما فعلنا بمن قبلهم ، وأصله مصدر لازم يلازم ، أو اسم آلة كالحزام ، والركاب ، وصف به للمبالغة ، ويبعد كونه جمع لازم كقائم وقيام ، لافراد ضمير كان فيحتاج الى تأويل أن إهلاك كل واحد كان لازماً ، وجملة إهلاكتهم لوازم .
﴿ وأجلْ مسَمَّى ﴾ عطف على كلمة أو ضميرها فى سبقت أخر مسارعة الى مضمون جواب لولا ، للفاصلة ، والأجل المسمى آجال أعمارهم ، وقيل الأجل المسمى لعَذَابهم يَوْم القيامَة أجلنا لهم عذاب يوم القيامة وحده ، لا عذاب استئصال معه ، وقيل الأجل المسمى أجل عذاب يوم بدر ، وعدهم إياه ولم يعدهم عذاب الاستئصال ، وأجيز عطفه على ضمير كان ، أى لكان الأخذ العاجل ، والأجل المسمى لازمين لهم ، كدأب عاد وثمود ، وصلاه الله عز وجل من ضيق قلبه بكفر قومه وأذاهم بقوله :
﴿ فاصْبِر عَلى ما يقُولُون ﴾ من كلمات الكفر ، فإنهم معذبون عليه لا محالة ، وليسوا مهملين ، بل ممهلون ، وهذا صبر لا ينسخ ، فهو مستمر بعد الأمر بالقتال وقبله ﴿ وسبِّح بحَمْد ربِّك ﴾ صل ملتبساً بحمد ربك ، يزدك كمالا وتوفيقاً ﴿ قَبْل طُلُوع الشَّمْس ﴾ صلاة الفجر وقبْل غُرُ وبها صلاة العصر ، قال فضالة بن وهب الليثى : قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حافظ على العصرين » قلت : وما العصران؟ قال : « صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها » وقيل : قبل غروبها الظهر والعصر ، لأنهما قبل الغروب ، وبعد الزوال ، وجمعهما مطابقة لقوله : « قبل طلوع الشمس » ولا يخفى أن المتبادر قبل الغروب العصر ، لأنه يليه .
ومن آناء الليل من شاعات الليل جمع إنى أو إنو بكسر الهمزة وإسكان النون فيهما أو إناء بكسر الهمزة وفتح النون بعدها ألف عن ياء ، أو عن واو هو متعلق بقوله ﴿ فسبِّح ﴾ على أن الفاء مقحمة للدلالة على لزوم ما بعدها لما قبلها ، أو بمحذوف عطف عليه بالفاء ، سبَّح أى قم وقتاً من آناء الليل ، فسبِّح ، وزعم بعض عن النجاة أن الفاء لا تمنع ما بعدها عن العمل فيما قبلها ، ولو لم تكن زائدة ، والمراد صلاة المغرب والعشاء ﴿ وأطْرَاف النَّهار ﴾ بالنصب عطفاً على محل من آناء الليل ، أو على من التبعيضية ، أو على قبل الشمس ، أوعلى قبل غروبها ، والمراد ذكر الله فى جميع النهار بصفات الجمال ، والتنزيه عن النقائص ، أو بقول : سبحان الله والحمد لله .
روى أنه من سبح عند غروب الشمس سبعين تسبيحة ، غربت بذنوبه ، وعبر بطرفيه لا صلاة النفل كما قيل ، لأنه لا صلاة بعد صلاة الفجر ، حتى تطلع الشمس طلوعاً كاملاً ، ولا بعد صلاة العصر ولأن ذلك نفل والأصل فى الأمر الوجوب ، والمقام له ، وتقدم قول بدخول صلاة الظهر فى قوله قبل غروبها ، وأجيز إرادة صلاة الظهر بأطراف النهار ، لأنها بعد الطرف الأول ، وهو النصف الأول من النهار ، وأول الطرف الآخر ، وهو النصف الثانى ، وذلك ولو كانا طرفين للنصفين هما طرفان للنهار ، لأن النصفين له والظهر ، ولو كان لا يقام آخر النصف الأول ، لكن يقام أول النصف بعده تلك صلاة حصلت بعد وجود الطرف الأول ، وحصول الثانى ، وقيل : هذا تكرير لصلاة الصبح والعصر ، والنهار ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس ، ولا يضرنا أن الطرف الأول محدود متميز ، والثانى ليس على حدته إلا أن الأصل عدم التكرير ، وأطراف مراد به اثنان أو هو باعتبار تعدد النهار ، الأول أولى ، وأجيز أن يكون الطرف بمعنى الطائفة من الشىء .
﴿ لعلَّك تَرْضى ﴾ متعلق بسبح ، أى سبح فى هذه الأوقات راجياً أن تنال ما ترضى به تفسك من الثواب ، أو بالأمر بالصلاة والصبر . أى لعلك ترضى بحصول الظفر ، وانتشار دين الإسلام ، قال أبو رافع . نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف ، فبعثنى الى يهودى فقال لى : قل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بمعنى كذا وكذا من الدقيق ، أو أسلفنى الى هلاك رجب ، فأتيته فقلت له ذلك ، فقال : والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : « والله لو باعنى أو أسلفنى لقضيته ، وإنى لأمين فى السماء ، وأمين فى الأرض ، اذهب اليه بدرعى ، » فنزل قوله تعالى :
﴿ ولا تمدَّنَّ عيْنَيك الى ما متَّعنا به أزْواجاً منْهُمْ زَهْرة الحياة الدُّنيا ﴾ أى زينتها ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأن يدوم على ما هو عليه من عدم مد النظر الى زينة الدنيا متضمن وعطف أمته بأن يكتسبوا عدم المد ، وكان صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن الدنيا ، وكان يقول : الدنيا ملعونه ملعون ما فيها إلا ما أريد به وجه الله ، قال زيد بن أرقم : كنا عند أبى بكر فدعا بشرابه فأتى بماء وعسل ، فلما أدناه من فيه بكى فبكينا لبكائه ، فسكتنا ولم يسكت ، ثم مسح عينيه فقلنا ما هاجك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأيته يدفع عن نفسه شيئاً ، ولم أرى معه شيئاً ولا أحداً ، فقلت : يا رسول الله أراك تدفع عن نفسك شيئاً ، ولا أرى معك شيئاً؟ قال : « هذه الدنيا تمثلت لى فقلت : إليك عنى فتنحت فقالت : أما أنك إن تفلت عنى فان يفلت عنى من بعدك ، فخفت أن تلحقنى »
ثم وضع الإناء من يده ، ولم يشرب .
قال معاوية : أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده ، وأما عمر فأرادمته ولم يردها ، وأماعثمان فنال منها ونالت منه ، وأما على فكان يرجو منها أحياناً ويتركها أحياناً ، واما نحن فتمرغنا فيها ظهراً لبطن ، ولا ندرى الى ماذا يصير الأمر ، ويحتمل أنه يصدر منه المد ابتغاء لها للمؤمنين ، لينتفعوا بها ، ويتوصلوا الى إعانة الدين والقيام لا لنفسهن ويرده أنه لا يجب لهم ما يكون واسطة للسوء ، كالفخر ، بل يجب لهم الكفاف ، أو الخطام لمن يصلح له من أمته ، لا له والذى متعوا به هو زخارف الدنيا كالأولاد والبنين والأموال والمنازل والملابس والمطاعم ، والأزواج أصناف الكفرة ، وفى المد تلويح بأن النهى عن الإطالة أو الإعجاب والميل ، ولذلك لم يقل لا تنظرون ، لأن النظر بدون ذلك معفو عنه .
وكان بعض العلماء يغض بصره عن النظر الى بنائهم وملابسهم ، لأنه يغريهم ويغرى غيرهم عليها ، ولأن النظر إليها محصل لغرضهم ، إذا اتخذوها للفخر ، ولقد شدد المتقون فى وجوب غض البصر عن أبينة الظلمة ، وملابس الفسقة ، لأنهم اتخذوا ذلك لعيون الناظرين ، فلا تعينوهم على مرادهم من النظر ، وانظروا الى منا يلوح على ذلك من ذل العقاب ، وكان عروة بن الزبير إذا رأى ذلك قرأ : ﴿ ولا تمدن ﴾ الآية ، ونادى أهله للصلاة ، وقرأ : ﴿ وأمر أهلك بالصلاة ﴾ وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى احتياجاً فى أهله أمرهم بالصلاة ، صلى وقرأ : ﴿ وأمر أهلك ﴾ وكذا مالك بن دينار ، وبكر بن عبد الله المزنى و ﴿ زهرة ﴾ مفعول ثان لمتعنا على على تضمين معنى أعطينا أو يقدر أعطيناهم زهرة الحياة الدنيا ، أو يقدر احذر زهرة الحياة أخرج زهرة ، فان الرغبة فيها تحرم نور التوفيق .
﴿ لنفتنهم فيه ﴾ اللام متعلق بمتعنا ، والمعنى لنعاملهم معاملة المختبر ، أو لنعذبنهم بسببه فى الآخرة ، عبر عن العذاب بسببه ، وذلك تقبيح لها فى قلوب المؤمنين ﴿ ورزقْ ربِّك ﴾ الذى ادخره لك فى الآخرة أو ما رزقك فى الدنيا من النبوّة والهدى ، أو ادخر لك من فتح البلاد والغنائم ، ويضعف أنه القناعة إذ لا دليل له فى الآية ، ولو كان في نفسه صحيحاً ، بل يضعف بقوله وأبقى ﴿ خَيْر ﴾ مما متعوا به في ذاته ، ولا عاقبة سوء عليه ، بخلاف ما متعوا به ﴿ وأبْقَى ﴾ ، فإن خير الآخرة لا يزول ، وأثر النبوَّة والهدى ، وفتح البلاد مستمر الى قرب قيام الساعة ، وتستمر ثمرة ذلك فى الآخرة أيضاً بخلاف ما متعوا به فيزول بموت أو غيره .