تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنبياء

الجزء الأنبياء · صفحة ٠
[سورة الأنبياء — آية 84]

﴿ فاسْجبنا له فَكَشفنا ما به من ضَرٍّ ﴾ أوحى الله عز وجل اليه ارفع رأسك من السجود ، اركض برجلك فركض فنبعت عين ماء فاغتسل منها ، فبرىء ظاهره ، وركض أخرى فنبعث أخرى وشرب منها فبرىء باطنه كما كان ، وكساه الله حلة فقعد فى مكان مشر ف وقالت زوجه : لا أتركه ولو طردنى لئلا يموت جوعا وعطشا ، فطافت حول الكناسة وبكت ، فقال ما تريدين يا أمة الله؟ فقالت : هذا المبتلى ، فقال ما كان منك؟ فقالت : بعلى ، فقال أتعرفينه إن رأيته؟ فقالت : هل يخفى وهو أشبه خلق الله بك ، فتبسم فقال : أنا هو ، فعرفته بضحكه ، فاعتنقته ، وروى أنها قالت له : ادع الله أن يشفيك ، فقال : كم مدة الرخاء؟ فذكرت مدة طويلة ، وروى ذكرت ثمانين سنة ، فقال : أستحيى من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائى مدة رخائى .

﴿ وآتيناه أهْله ﴾ زوجه وأولاده ، ومعنى رد امرأته رد شبابها ، لأنها حية قائمة به فى مرضه ، أو كان زوج أو أزواج أخر ميتات ، فأحياهن الله تعالى له ، وقيل : ماتت فردها الله ، وقيل أولاده ﴿ ومِثْلهُم مَعَهم ﴾ عطف على استجبنا ، ولا مانع من عطفه على كشفنا المنسحب عليه الدعاء ، لأن الضر فى دعاء أيوب شامل لذهاب المال والبنين ، فالضر فى كلام الله ضر بدنه فقط ، وذكر زوال ضر الذهاب بقوله : ﴿ وآتنياه أهله ومثلهم ﴾ معهم أو أراد الضر العام الذى فى دعاء أيوب عليه السلام ، وخص بعد تعميمن إذ قال وآتيناه ، وإن أراد أيوب ضر بدنه فلا بأس ، بل يذكره الله ويزيد عليه كما تقول : سألت الله العلم فأعطانيه والمال ، وإيتاه ذلك إحياء الله له أولاده الموتى ، وزوجه إذ ماتت ، وزاد له زوجا أخرى وأولادا أخرى ، بأن يلدهم منها ، فتكون بنوه سبعة عشر ، وبناته سبع عشرة ، وقيل : أحيا اولاده وولدوا .

ويروى أن الله تعالى قال له : اذهب الى إندارك ، فذهب فأرسل الله تعالى عليه جرادا من ذهب ، فذهبت جرادة فردها ، فسمع نداء : يا أيوب ألم أغنك؟ فقال : بلى يا رب ، ولكن هذه بركة من بركاتك ، فلا أشبع من بركتك ، وعن عباس أنه سال النبى صلى الله عليه عن الآية فقال : « رد الله امرأته إليه وزاد فى شبابها حتى ولدت ستة وعشرين ذكراً » وعلى هذا ليس ذلك باحياء الأولاد الموتى ، وروى أنه جعل الله تعالى له مخزنا من جراد كلها من ذهب ، فطارت جرادة فأخذها ، فقال له ملك : ألم يكفيك ما بقى؟ وعنه صلى الله عليه وسلم : « أفرغ الله عز وجل سحابة ذهب فى أندر قمحه ، وسحابة فضة فى أندر شعيره ، حتى فاضا وكان يغتسل فخر عليه جراد من ذهب ، فجعل يجمعه فى ثوبه ، فأوحى الله إليه ألم أغنك عما ترى فقال : بلى وعزتك ، لكن لا غنى لى عن بركتك »

رواه البخارى عن أبى هريرة مرفوعا ، قال عكرمة : قيل لأيوب : أهلك فى الآخرة ، فإن شئت عجلناهم لك فى الدنيا ، وإن شئت كانوا لك فى الآخرة ، وآتناك مثلهم فى الدنيا ، فقال : بل يكونون لى فى الآخرة وأوتى مثلهم فى الدنيا ، فمعنى الآية وآتيناه أهله فى الآخرة ومثلهم معهم فى الدنيا ، وأراد بالأهل الأولاد وعاش بعد زوال الضر سبعين سنة فيما قيل عن ابن عباس ، ففى قول : يكون عمره ثمانين وسبعين ونحو ذلك يحسب لأقوال السابقة .

﴿ رحمةً ﴾ بمفعول من أجله ، أى لأجل رحمتنا له ، أو مفعول مطلق لآتينا ، لأن الإيتاء رحمة ، أو لمحذوف أى رحمناه رحمة ، ولا ضعف فيه بل هو اقوى من التعليل ﴿ مِن عندنا ﴾ نعت لرحمة ، أو متعلق بآتينا ﴿ وذِكْرى ﴾ اسم مصدر بمعنى التذكير ﴿ للعاملين ﴾ ليصبروا فيثابوا كما أثيب أيوب ، وكل على قدره ، ولا يجزعوا فيحبطوا ثواب عبادتهم متعلق بذكرى ، شبه لام التقوية وإن أريد بالذكر المعى الحاصل من المصدر كان نعتا لذكرى ، ولا يحسن أن يجعل رحمة متنازعا مع ذكرى فى للعابدين ، لأن رحمة ذكر فى شأن أيوب .

٢٬٥٦٧ / ٦٬٢٣٦