تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنبياء

الجزء الأنبياء · صفحة ٠
[سورة الأنبياء — آية 104]

﴿ يَوْم نَطْوى السَّماء ﴾ متعلق بتتلقاهم أولى من تعليقه بيحزن أو بالغزع ، والمصدر يتعلق به ، ولو نعت كقوله :

إن وجدى بك الشديد أرانى … أو فضل أو بدل كل من هاء توعدونه المحذوفة ، والمراد بالسماء الجنس بل الاستغراق لقوله تعالى : ﴿ والسَّموات مطويَّات بيمينه ﴾ وهذا الطى يعقبه إفناء أو تبدل بغيرهن لقوله سبحانه : ﴿ يوم تبدَّل الأرض الأرض والسَّموات ﴾ أو يراد بهذا التبدل تعويض أرض الجنة وسماءها ﴿ كطىِّ السِّجل ﴾ الكاف اسم مضاف مفعول مطلق نائب عن محذوف أى طيا مثل طى ، أو حرف أى طيا ثابتا كطى السِّجل ، والسجل الصحيفة وخصه بعض بصحيفة العهد ، وقيل هو فى الأصل حجر يكتب فيه ، ثم سمى به كل ما يكتب فيه من قرطاس أو جلد أو غيرهما .

﴿ للكُتُب ﴾ نعت للسجل على قصد الجنس ، أو حال له ، والكتابة مصدر ، أ اللام للتعليل متعلق بطى ، فإن المكتوب يطوى محافظة على ما كتب ليه ، وإن جعلنا السجل اسما للذى كتبه فاللام للتقوية ، والكتاب مفعول به لطى ، فقد قيل السجل اسم ملك موكل بالصحف إذا مات إنسان رفع كتابه اليه فطواه ليوم القيامة ، ولا بأس بتشبيه الأقوى بالضعيف كقوله تعالى : ﴿ مثل نوره كمشكاة ﴾ أو اعتبر القوة هنا الأقوى بالضعيف من أن طى الورقة لضعفها ودقتها وضغرها أقوى من طى السماء ، وعن ابن عباس وابن عمر ، السجل كاتب النبى صلى الله عليه وسلم ، وهو وصف لا علم له فلا يضعف بأنه لا يعرف فى الصحابة رجل اسمه سجل ، وقد قيل اسمه زاد بن مردويه ، والأكثر أن السجل الصحيفة والجمهور على أنه اسم عربى ، وقيل فارسى معرب .

﴿ كما بَدَأنا أوَّل خَلق نُعيدُه ﴾ نعيد الموتى بعد فنائهم بأجسامهم الأولى نفسها ، كما خلقناهم ، أول مرة ، وقيل : ما تلف وفنى ، يخلق مثله ، والروح لا تبدل وهى المتلذذة ، أو المتألمة وليس الإحياء بعد الموت أصعب من الإيجاد الأول بل أسهل لبادى الرأى ، وهما عند الله سواء ، ومن قال : أسهل أشرك لوصف الله سبحانه بالعجز ، وعجم الذنب لا يفنى ، والأنبياء ، ومن التحق بهم لا تفنى أجسامهم كما ورد فى المؤذني المحتسبين ، وفى أنواع من الأعمال ، والكاف اسم مضاف للمصدر مفعول مطلق ، أى نعيده إعادة مثل بدئنا إياه أو إعادة ثابتة كبدئنا إياه ، وما مصدرية كما رأيت ، أو اسم أى كبداً بدأناه ، أو كالبدء الذى بدأناه ، أو كما مكفوف وكاف ، وفى ذلك خلقان الثانى يشبه الأول .

قالت عائشة رضى الله عنها : دخل علىَّ رسول الله صلى عليه وسلم وعندى عجوز من بنى عامر فقال : « من هذه العجوز يا عائشة » فقالت إحدى خالاتى ، فقالت : ادع الله أن يدخلنى الجنة يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم :

« إن الجنة لا يدخلها عجوز » فأخذها ، ما أخذها فقال صلى الله عليه وسلم : « ينشئهن خلقا غير خلقهن » ثم قال : « تحشرون حفاة عراة غلفاً » فقالت : حاشى لله تعالى من ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بلى إن الله تعالى قال : ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ » فأفادت الآية البعث ردا على منكريه ، وأفادت أنهم يبعثون كما كانوا ، فترد إليهم شعورهم وأظفارهم ، وقلفة الختان من ذكر وأنثى ، وكل جلدة فى طول أعمارهم وقصرها .

﴿ وعداً عَلْينا ﴾ مصدر مؤكد مثل : أنت ابنى حقاً ، أى وعدنا ذلك وعداً ، وإذا اعتبر فى نعيد معنى الوعد كان مصدراً مؤكدا له ، كعلى ألف عرفاً ، وعلينا نعت وعداً أى ثابتاً باللزوم منا ، أو وعداً بمعنى إخبار بخير ونعت بعلينا اعتبار المعنى موعود على معنى علينا إنجازه بطريق الاستخدام ، وفيما مر كفاية ﴿ إنَّ كُنَّا فاعلين ﴾ لذلك محالة ، وذلك تأكيد آخر ، ويقال معناه قادرين على الفعل ، ويقال : فاعلين للماضى ولتحقق الوفوع ، وكل ذلك صحيح المعنى فى نفسه ، إلا أننا نعتبر الظاهر ما وجدنا صحة بلا ضعف ، ولعل وجه التفسير بالقدرة اعتبار أن اسم الفاعل للحال القدر والفعل مستقبل .

٢٬٥٨٧ / ٦٬٢٣٦