تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الحج

الجزء الحج · صفحة ٠
[سورة الحج — آية 5]

﴿ كُتِبَ عليْه ﴾ أى على الشيطان ﴿ أنه ﴾ اى الشأن أولى من عوده إلى الشيطان ﴿ مَنَّ ﴾ شرطية ، والمقام للعموم كمنا هو شأن الشرطية لا موصولة ، لأن أصلها العهد ، وللاحتياج الى زيادة الفاء ﴿ تولاَّه ﴾ المستتر لمن ، ولاهاء للشيطان أى اتبع الشيطان ، واتخذه ولياً أو بالعكس ، أى صار الشيطان والياً عليه غالبا له ﴿ فإنه ﴾ أى الشيطان ﴿ يُضلهُ ﴾ عن الحق الذى هو طريق الجنة ﴿ ويَهْديه ﴾ يوصله ﴿ لى عذابِ السَّعير ﴾ الىعذاب النار المسعورة ، أى الموقدة ، وجملة من تولاه الخ خبر أن ، والمصدر نائب فاعل كُتب أى كتب عليه إضلال متوليه ، أو متولاه وهداه إلى عذاب السعير ، وجلمة كتب ونائبه نعت شيطان ، ومعنى كتب قضى وقد ، أو كتب عليه بالحروف أنه من تولاه الخ أى رسم عليه الإضلال والإيصال الى النار كتابة لا يتخلف عما فيها ، وأصل الهداية أن تكون الى خير فاستعمالها فى السوء استعارة تهكمية تمثيلية ﴿ يا أيُّها الناس ﴾ الكفار بإنكار تحققق البعث ﴿ إن كنُتْم فى ريْبٍ ﴾ شك ﴿ من البَعْث ﴾ من إمكان البعث ، عبر بالريب مع جزمهم بالإنكار تلويحاً الى أن إنكار لوضوح دلاله ، كأنه لم يكن ، وليس فى شىء من الاحتمال ، كما أن التصدير بأن ، وتنكير ريب تلويح أن حقه أن يضعف ، ويشك فيه عندكم لا أن ينكر ، أو عبر بالريب مع جزمهم بالانكار تنبيها على أن جزمهم بالإنكار بمنزلة الشك الضعيف لقوة الدلائل ، ومن بمعنى فى متعلق بريب ، وعدل إيها لئلا تتكر فى أو مبعنى لابتداء تتعلق بمحذوف نعت لريب ، واستظهر أن المراد فى ريب من إمكان البعث ، كما يدل له إثبات الإمكان فى قوله .

﴿ فإنَّا خلقناكم من تُرابٍ ﴾ الخ واجيز أن يكون المراد فى ريب من وقوع البعث ، واعترض بمخالفته لما اتصل به من إثبات الإمكان ، وتكرره مع قوله : ﴿ إن الله يبعث من فى القبور ﴾ ويجاب بأنه لا تكرر ، لأن هذا شك منهم فى الوقوع ، وأن الله يبعث من فى القبور ، جزم من الله بالوقوع رداً عليهم ، وأيضا لو تكرر لم يضر ، لأن المراد التأكيد ، والفصل ، ولأن المعنى كيف تشكون فى وقوع البعث ، مع أنه قد وقع خلقه لكم من تراب ، والجملة تعليل نائب عن جواب الشرط ، أى أخطأتم فى شككم ، لأنا خلقناكم من تراب أن أصلهم الذى تكونوا منه من تراب وهو آدم ، أو الأغذية التى كونوا منها من تراب .

﴿ ثمَّ من نُطْفةٍ ﴾ منى من النطف ، وهو التقاطر ، أو من قولهم للماء القليل الصافى نطفة ، والمراد ما يشمل ماء الرجل وماء المرأة ، ولو كان ماء الرجل أكثر ، والمراد نطفة كل أحد ، وزعم بعض أن المراد نطفة آدم ﴿ ثُم من عَلَقةٍ ﴾ قطعة جامدة من الدم ، متكونه من النطفة ﴿ ثُم من مُضْغةٍ ﴾ قطعة من اللحم صغيرة قدر ما يمضغ تكونت من العلقة ﴿ مُخَلَّقةٍ ﴾ تعظم بعد فيكون إنسانها عظيم الجسم ﴿ وغير مُخَلَّقةٍ ﴾ يكون إنسانها صغير الجسم ، أو التخليق إظهار أعضاء بعد أن كانت غير مظهرة كسائر الترتيب قبل أن تكون أولا غير متبينة الأعضاء ، ثم تكون متبينة ، وعلى هذا الأصل تقديم غير مخلقة على مخلقة ، ولكن أخرت لكونها عدم وجود ، والوجود أولى بالتقديم ، والكلام فى إيجاد مالم يكن ، والإيجاد فى مخلقة ، وعبر بالتخليق لا بالخلق لكثر الأعضاء المختص كل واحد منها بخلق وصورة .

وقيل : المخلقة المسواة من النقص والعيب ، يقال خلق السواك أو العود سواه وملسه ، وصخرة خلقاء ، وجبل أخلق أملس ، فمن نطفته كذلك يخرج بدنه سوياً حسناً منظراً وخصلة ، وما نفص فيها ينقص منهما ، أو من أحدهما ، وقيل المخلقة التى تمت مدتها فولدت ، وغيرها ما سقطت ، وليس فى الآية شرط الحياة ، فهو مخلوق الصورة ، نفخ فيه الروح أو لم ينفخ .

قال ابن مسعود : إذا استقرت النطفة فى الأرحام ، أخذها ملك الأرحام بكفه ، فقال : يا رب أمخلقة أم غير مخلقة ، فإن كانت غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفها الرحم دما ، وإن كانت مخلقة ، قال : يا رب ذكر أم أنثى ، شقى أم سعيد ، ما الأجل ، ما الأثر ، وما الرزق ، وبأى أرض تموت ، ولا دليل فى هذا القول الأخير ، لأن ما يقذفه الرحم دما لا يقال إنه مراد بالخلق فى قوله : ﴿ إنا خلقناكم ﴾ نعم ، يقال من جنس هذه النطفة الموصوفة بالتامة والناقصة .

﴿ لنُبيِّن لَكُمْ ﴾ اللام الأول متعلق بخلقنا وحذف المفعول للعموم ، وهذا الحذف بمنزلة قولك ، لنبين لكم ما لا تحصر ، عبارة تفاصيله ، ومن ذلك أمر البعث ، والدلالة عليه بإنشاء حى بأطوار متوالد من تراب ، وقد بعض لنبين لكم أمر البعث ، ولا بأس به ، وزعم بعض أن التقدير لنبين لكم أن التخليق اختيار من الفاعل المختار ولولا ذلك لم يصر بعض غير مخلق .

﴿ ونُقِر فى الأرْحام ما نَشَاء ﴾ من الأجنة ، والعطف على جملة مستأنفة محذوفة ، والله أعلم ، هكذا نخلقكم فى الأرحام ونقر ما نشاء ﴿ إلى أجل مُسمى ﴾ وقت الوضع وأقله ستة أشهر ، وأكثره عندنا وعند الشافعية أربع سنين ، وقال مالك : سنتان ، وكذا الحنفية ، وإذا تحقق أنه فى البطن حكم به بلا غاية ما دام متحففاً ﴿ ثمَّ نُخْرجُكم ﴾ من الأرحام ﴿ طِفْلا ﴾ أطفالاً يطلق على الجماعة والاثنين ، كما يطلق على الواحد ، لأن أصله مصدر طفل بالضم على غير قياس بمعنى لأن ، وإذا أريد واحد جمع على أطفال أو المراد الجنس أو المرد طفلا طفلا كما يقال : اخرجوا رجلا فاختصر .

﴿ ثمَّ لتبْلُغُوا أشُدَّكم ﴾ عطف : على محذوف تقديره نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ، ثم لتبلغوا أو نمهلكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ، ثم لتبلغوا ، وجملة نخرجكم محذوفة مستأنفة غير مقرونه بثم وقيل : المعطوف محذوف ، أى ثم تمهلكم لتبلغوا ، وأشد مفرد بوزن الجمع ، كأنك ولا ثالث لهما ، وهو افعل بفتح الهمزة وإسكان الفاء ، وضم العين ، وأصل الشين السكون نقلت اليه ضمة الدال ، فأغمت أو جمع لا واحد له ، أو جمع شذوذاً لشدة بكسر الشين كنعمة وأنعم ، أو لشد بفتحها أو كسرها ، وهو ما بين ثمانية عشر عاماً الى ثلاثين .

﴿ ومنْكُم مَن يُتوفَّى ﴾ بعد الإخراج من الرحم ، وقبل بلوغ الأشد ﴿ ومنْكُم من يُردُّ إلى أرذَل ﴾ أخس ﴿ العُمُر ﴾ بالكبر بعد ما كان فيه الطفولية ، ﴿ لكيلا يعلم ﴾ يعرف ﴿ من بعد علم شيئاً ﴾ مفعول مطلق ، أى علماً ما ، أو مفعول به أى شيئاً من الأشياء ، وذلك تقسم لما بعد الاخراج بعد تقسيم ما قبله ، ومن للتعبيض ، فالله عز وجل لم يذكر الأبعاض كلها ، لأن من المردودين الى أرذل العمر من يعرف بعض الأشياء ، واللام للعاقبة ، والله عالم بها ، ولم يسق الآية على معنى أنى أرده الى أرذل العمر ، لأجل أن لا يعلم ، والله جل جلاله ذكر أفضل الأحوال ، وهو بلوغ الأشد وأبدعها ، وهو الإخراج وأسواها وهو أرذل العمر ، وبنى التوفى الرد للفعول للعلم بالفاعل سبحانه وتعالى ، واحتج للبعث أيضاً بقوله :

﴿ وترى الأرض هامدةً فإذا أنزْلنا عَليْها الماء اهتَزَّت ورَبَت وانْبتَت مِنْ كُلِّ زوَجِ بَهيجٍ ﴾ العطف على أنا خلقناكم ، والخطاب لمن يتأتى منه الرؤية البصرية ، أو للمجادل له صلى الله عليه وسلم ، ويجوز أن يكون له صلى الله عليه وسلم ، والمراد تنبيه غيره ، وخص الإنزال لأن ماء المطر أعم إنباتاً وأسرع ، وبيعد أن الإنزال بمعنى ارسال الشامل له والماء العين ، وهمود الأرض سكونا بيبس ، واندراس كما قابله باهتزاز أى تحركها بالنبات شبه خلوها بالسكون ، والتباسها به بالتحرك على الاستعارة ، أو أسند الهتزاز إليها ، وهو للنبات على المجاز العقلى كما فى أنبتت ، والإنبات فعل لله عز وجل ، ويبعد أن اهزازها انفصال بعضها عن بعض لخروج النبات ، وكذا الوجهان فى ربت أى ازدادت وانتفخت ، والزوج الصنف والبهيج حسن المنظر يسر الناظر .

٢٬٦٠٠ / ٦٬٢٣٦