تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الحج

الجزء الحج · صفحة ٠
[سورة الحج — آية 23]

﴿ ولَهُم مَقامعُ مِنْ حَديدٍ ﴾ المفرد مقمعة ، أو مقمع ، وهو آلة الضرب أعلاها غليظ ، وهى آلة القمع أى الردع ، وفسرت بالمطارق بالسياط ، قال صلى الله عليه وسلم : « لو وضع مقمع منها فى الأرض لم يقدر الثقلان على رفعه » وهو فى يد الملك كالريشة ﴿ كلما أرادوا أنْ يخْرجُوا منها ﴾ ترفعهم بلهبها حتى يقربُوا من موضع الخروج منها ، فيريدون الخروج ، وهذا أولى من حمل الإرادة على القرب ﴿ مِنْ غمٍّ ﴾ . أى للغم العظيم ، كما فيده التنكير متعلق بأرادوا أو بيخرجوا ، ومن الأولى للابتداء ، وإن جعلنا من غم بدل اشتمال من الضمير فى منها ، أى من غمها أو غم فيها ، كان من فيه أيضا للبتداء ، والغم الهم ، وأجيز أن يكون التغطية ، يقال غمه ، أى غطاه أى من تغطيتها . ﴿ أعيدوا فيها ﴾ ، أى فى قعرها بالمقامع ، فيهوى فيها سبعين خريفا ولم يخرجوا منها لآنه لا خروج منها ، وزعم بعض أنهم يخرجون ويعادون فيها ، ولا دليل له ، والنص على أن لا يخرجوا وقيل أبقوا والله عز وعلا قال : ﴿ كلما أرادو أن يخرجوا ﴾ ولم يقل كلما خرجوا ، ولا دليل على تقدير كلما أرادوا أن يخرجوا فخرجوا ، ولا أنه عبر عن الخروج بإرادته وهو سببه ، وأما قوله : ﴿ أعيدوا فيها ﴾ فمعناه أعيدو فى قعرها ، وزعم بعض أن الخروج من أمكانهم فيها ، وزعم بعض أن الضمير فى منها النشاب ، وكذا فى فيها .

﴿ وذوقُوا ﴾ أى وقيل لهم ذوقوا ﴿ عَذابَ الحريق * إنَّ الله يُدخْل الَّذين آمنُوا وعمَلوا الصَّالحات جناتٍ تَجْرى مِنْ تَحتِها الأنْهارُ يحلُّونَ فيها من أساوِرَ مِنْ ذَهبٍ ولُؤْلواً ﴾ يحليهم الله بواسطة الملائكة أو بدون واسطة ، بأن يطير إليهم ذلك بإذن الله سبحانه ، أو تحليهم الملائكة بأمر الله عز وجل ، ومن أساور نعت لمفعول ثان محذوف أى يحلون فيها حليا ثابتاً من أساور ، أو شيئا ثابتا من أساور ، أو أساور ثابتة من أساور من ذهب ، أو مفعول به ثانٍ مضاف لأساور ، أو أساور مفعول ثان ، ومن صلة فى الإثبات فى قول ، ومن ذهب نعت لأساور أى ثابتة من ذهب أو متعلق بنعت هو كون خاصة ، أى مصنوعة من ذهب ، ولؤلؤاً معطوف على المفعول الثانى ، الأوجه كلها ، وإن جعلنا من للبتداء لا للتبعيض ، وعدينا يحلى لواحد قدرنا يعطون لؤلؤاً .

﴿ ولباسُهُم فيها حريرٌ ﴾ خلقة من الله لا حرير دود ، ومعلوم أنه لا بد من اللباس لا كالحلى ، ولا ندرى مم هو ، فقال عز وجل : إنه حرير ، وهذا لكون الكلام جملة اسمية أدل على الثبوت ، ولذلك وللفاصلة جىء بالاسمية بعد الفعلية ، ولم يقل يلبسون من حرير مع أنه يصح أن يكون يلبسون من حرير جوابا لقولك مم يلبسون ، وذلك عام لأهل الجنة .

وروى ابن حيان والنسائى ، عن أى سعيد ، عنه صلى الله عليه وسلم : « من لبس الحرير فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه » ولعل قوله : وإن دخل الجنة الخ زيادة من راوٍ باطلة ، ويدل هذا رواية البخارى ومسلم ، عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لبس الحرير فى الدنيا لم تلبسه فى الآخرة » بمعنى أنه ليس من أهل الجنة هكذا كنت أقول ، حتى رأيت البهيقى قال عن ابن الزبير عنه صلى الله عليه وسلم : « من لبس الحرير فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة ولم يدخل الجنة » وذلك أن لبسه من الكبائر فلا يحسن التأويل بأنه لا يدخلها مع السابقين ، مع أن التأويل بلا مرجح له غير مقبول ، وعلى صحة الزيادة ، وعدم ثبوت رواية البهيقى ، لا يكون ذلك إلا للتائب ، وعدم لبسه لقصور درجته عن درجته من لم يلبسه كسائر تفاوت الدرجات بتفاوت الأعمال ، وذكر بعض أن من استحل الحرير بالتأويل يلبسه فى الجنة .

٢٬٦١٨ / ٦٬٢٣٦