تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الحج

الجزء الحج · صفحة ٠
[سورة الحج — آية 40]

﴿ الَّذينَ ﴾ نعت للذين أو بدله أو بيانه ﴿ وأن الله على نصرهم لقدير ﴾ معترض ، ولهذا الاعتراض حسن جعله منصوبا أو مرفوعا على المدح ﴿ أخْرجُوا ﴾ أخرجهم المشركون بالتضييق عليهم ، لما كان التضييق عليهم بالإيذاء سببا للخروج ، سمى إخراجا ﴿ مِنْ ديارهم بغَيْر حق ﴾ متعلق بأخراجوا ، وهو مفيد لما أفاده قول بعض اخراجا ثابتا بغير حق ، ولماأفاده قول بعض كائنين بغير حق مترتب عليهم بموجب إخارجه ، فلا حاجة إليهما ﴿ إلى أن يقُولُوا ربنا الله ﴾ بدل من حق لتقدم النفى بغير قيل أو بدل من غير على تضمين أخرجوا معنى النفى ، أى لمن يقروا فى ديارهم إلا بأن يقولا الخ ، وعلى الوجهين ذلك من تأكيد المدح بما يشبه الذم ، كقول النابغة ، ولا عيب فيهم الخ كانه عد ربنا الله غير حق ، وأجيز كون الاستثناء منقطعا .

﴿ لَوْلا دفع الله النَّاس بعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ فى الأمم السابقة متعلق بقوله : كأنه قيل قاتلوا الكفار ، فانه لولا تسليط الله عز وجل المؤمنين على الكفار بالقتال ﴿ لَهُدِّمت صَوامعُ ﴾ هى متعبدات الرهبان من النصارى والصابئين حين كانوا على حق ، وكانت للصابئين ملة حق كما دخلوا فى قوله تعالى : ﴿ من آمن منهم ﴾ الخ والصومعة بناء رقيق إلا على كما تسمى مئذنة الإسلام صومعة إذ كانت كذلك ﴿ وبِيَعٌ ﴾ جمع بيعة وهى مصلى النصارى حين كانوا على الحق ، ولا تختص بالرهبان ، وقيل كنيسة اليهود ، وزعم بعض أن المراد بالصوامع ، والبيع متعبدات هؤلاء حال الإسلام ، وأنها لمن فى حماية المسلمين منهم ، ولو اتخذ بعضها المسلمون مسجدا ، ونقول حاشى الله أن يعتنى بما للنصارى واليهود والصابئين من المتعبادات بعد بعثه صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لولا دفع ظلم المدعى ما ليس له بشهادة العدول المناقضين ، أو بكون البينة عليه ، وقيل : لولا دفع الظلمة بعدل الولاة ، وقيل لولا دفع العذاب بدعاء الأخيار : وقيل : لولا الدفع بالقصاص ، وقيل : بالنبيين .

﴿ وصلوات ﴾ جمع صلاة كنيسة اليهود ، وقيل متعبد النصارى دون البيعة ، تسمية للمحل باسم الحال ، وقيل المراد نفس الصلاة على تقدير ، وعطلت صلوات ، أو تضمين هدمت معنى عطلت ، أو تقدير ومواضع صلوات ، والتنكير ينافر ذلك ، وقيل : هو مفرد أصله صلوتا بالإعجام والقصر ، فعرب كما قلي بيع إن كان غريباً ، كان من قوله تعالى : ﴿ إن الله اشترى ﴾ الخ وهو نكرة ، وإن كان علماً فصرفه لشبه الجمع .

﴿ ومساجد ﴾ للمسلمين ، وفى اسمها تشريف بمزيد الخضوع بالسجود ، وبأن أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً ، وباختصاص المسلمين بالسجود ووقوعه فى الأمم قبلنا قليل ، كقوله تعالى : ﴿ يا مريم اقنتى ﴾ الخ ذكرها لتأخر زمان هذه الأمة ، وإنما أخر ما لليهود على ما للنصارى مع تقدمهم لمناسبة المساجد بلقظ الصلاة ، أو ذلك ذكر للأشرف بعد الشريف ، لأن البيع أكثر عبادة من الصوامع ، وكنائس اليهود أكثر عبادة من البيع لطول زمانها ، والمساجد أشرف من الكل ، أو أخرت لتبعد من ذكر التهديد ، أو لتجاور المدح فى قوله تعالى : ﴿ يُذكر فيها اسْمُ الله كَثِيراً ﴾ الى قوله :

﴿ والله عاقبة الأمور ﴾ والمراد ذكراً كثيراً أولى من تقدير زماناً كثيراً والجملة نعت مساجد ، أولى من جعله نعتاً للكل ، إذ لا يخفى أن الاعتناء بالذكر فى ما قبل المساجد بعد البعثة خلاف الأصل ، أنه لا يتصور إلا باعتبار بقاء بركة ما قبل البعثة ، مع أن أكثر ما قبلها كفر إلا قليلا جداً .

﴿ ولينْصُرنَّ ﴾ والله لينصرن ﴿ اللَّهُ مَن ينْصُره ﴾ ينصر دينه أو أولياءه ، وقد أنجز الله الوعْد بنصر المسلمين على مشركى العرب والأكاسرة والروم ، وأورثهم أرضهم وديارهم ﴿ إنَّ الله لَقوىٌ ﴾ على ما أراد ، منه نصر ناصره ﴿ عَزيزٌ ﴾ لا منع عما أراد .

٢٬٦٣٥ / ٦٬٢٣٦