تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النور

الجزء النور · صفحة ٠
[سورة النور — آية 27]

﴿ الخبيثات ﴾ بالمعاصى وعدم العفة من النساء ﴿ للخبيثين ﴾ كذلك من الرجال على حد ما مر فى قوله : ﴿ الزانى لا ينكح إلا زانية ﴾ الخ . ﴿ والخبيثون للخبيثات ﴾ كذلك أو الكلمات الخبيثات تثبت للخبيثين من الرجال والنساء ، يذمهم الله والمسلمون بها ، كاللعنة والغضب من الله ، أو الكلمات الخبيثات للخبيثين من الرجال والنساء ، تصدر منهم على المؤمنين ، وفى هذين الوجهين تغليب الذكور فى الخبيثين .

﴿ والطيبات ﴾ بالطاعة والعفة ﴿ للطيبين والطيبون للطيبات ﴾ ورسول الله أطيب الأطيبين فلا يجعل الله زوجه إلا طيبة ، ومن قذفها ضل وخالف الصواب .

إن الطيور على أشباهها تقع … أو الكلمات الطيبات للطيبين من الرجال والنساء مدحاً من الله ، والمؤمنين لهم كرحمهم الله الله ورضى عنهم ، أو الكلمات الطيبات للطيبين من الرجال والنساء ، تصدر منهم للمؤمنين كالمدح والتبرئة من السوء والدعاء بالخير ، وفى هذين الوجهين تغليب الذكور فى الطيبين ﴿ أولئك ﴾ الطيبون أهل البيت النبوى رجالاً ونساء ، ودخلت عائشة أولاً والنبى صلى الله عليه وسلم وعائشة وصفوان رضى الله عنهما ، وقال الفراء النبى صلى الله عليه وسلم وعائشة إطلاقاً للجمع على اثنين ﴿ مبرَّءون مما يقُولُون ﴾ مما يقول أهل الإفك أو يقول الخبيثون .

﴿ لهم مغفرةٌ ﴾ عظيمة لذنوبهم ، ولا يخلو الانسان من ذنب ﴿ ورزقٌ كَريم ﴾ الجنة كما قال فى أزواجه : ﴿ وأعتدنا لها رزقاً كريماً ﴾ وهو الجنة ، وما غلظ فى القرآن لأحد ما غلظ لعائشة ، وكانت تفتخر على ضراتها بذلك ، وبنزول الآيات فى مدحها وبراءتها ، وبنزول جبريل بصورتها فى حريرة بيضاء عليه صلى الله عليه وسلم حين آمر بتزويجها ، وبأنه تزوجها بكراً ، وبأنه أتاه الوحى وهو معها فى لحاف ، وبأنها أحب نسائه إليه ، وأنها رأت جبريل ، أنه صلى الله عليه وسلم قبض فى بيتها ، وأن رأسه فى حجرها ، وأنه دفن فيه لم يله أحد غيرها وغير الملك ، وحفته الملائكة فى بيتها ، وأن أباها خليفته وصديقه ، وأنها خلقت طيبة ، ووعد لها رزق كريم ، ومغفرة .

ومن ذلك حديث « فضلها على النساء فضل الثريد على الطعام » قالت : هجرنى القريب والبعيد ، حتى الهرة ، أنام جائعة وظامئة ، ولا يعرض علىَّ طعام أو شراب ، فرأيت فتى قال : مالك؟ قلت : حزينة لما يقال ، قال قول يفرح الله عنك : يا سابغ النعم ، ويا دافع النقم ، ويا فارج الغمم ، ويا كاشف الظلم ، يا أعدل من حكم ، يا حَسْب من ظلم ، يا ولى من ظُلم ، يا أول بلا بداية ، ويا آخر بلا نهاية ، يا من له اسم بلا كنية ، اللهم اجعل لى من أمرى فرجاً ومخرجاً ، فانتبهت ريانة شبعانة ، قد أنزل الله تعالى براءتى ، وهو دعاء الفرج .

ويناسب الاحصان فرض الاستئذان قالت امرأة : يا رسول الله يفاجئنى فى بيتى داخل على حال لا أحب أن يرانى فيها أحد ، فنزل قوله تعالى :

﴿ يا أيها الَّذين آمنوا لا تدْخلوا بيوتاً غير بيُوتِكُم حتى تستأنسُوا ﴾ الخ من فيها ولو غير ملاكها ، فسر ابن عباس رضى الله عنهما الاستئناس بالاستئذان ، لأن الاستئناس طلب الايناس ، وهو العلم أو الابصار ، والابصار طريق الى العلم ، فالاستئناس طلب العلم ، والمستأذن يطلب أن يعلم ، هل يؤذن له ، أو الاستئناس طلب الأنس بضم الهمزة ضد الوحشة ، ومريد الدخول كالمستوحش من خفاء الحال ، هل يؤذن ، فإن أذن له حصل له الأنس ، أو الاستئناس طلب معرفة هل فى البيت إنس بكسر الهمزة أو من هو أى ناس أو واحد ليأذن له ، وهو اشتقاق من اسم العين ، كعانهأبصره بعينه ، وأنف مسرج اشتقاقا من السراج ، وهو ضعيف لهذا الاشتقاق ، ولأن ذلك أنه يدخل بلا إذن ولا تلوم الضعفين مناسبة ، فإن لم تجدوا فيها أحداً أو حتى تطلبوا علم أهل البيت بأنكم تريدون الدخول فيأذنوا أو يتركوا ، بأن تسبحوا أو تحمدوا أو تكبروا طلباً للإذن أو تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالاستئذان ونحوه فيأذنوا أو يتركوا ، كما جاء به الحديث ، وتؤنسوا أنفسكم بأنه قد علم بكم وهو ضعيف .

﴿ وتُسلِّموا على أهْلِها ﴾ وكل من الاستئذان والتسليم واجب ، وذكر ابن جزء الكلبى الأندلى أن وجوب الاستئذان أعظم من وجوب السلام ، وكلاهما واجب كما فسر كلامه محشية أو عبد الله الغرناطى ، والاستئذان قبل التسليم ، وقيل بعده لحديث : « السلام قبل الكلام » قال عطاء : سمعت أبا هريرة يقول : إذا قال الرجل : ادخل فقل : لا حتى تجيئ بالمفتاح ، فقلت المفتاح السلام عليكم؟ قال : نعم ، وحمل بعضهم هذا الحديث على سلام الملاقاة ، وعلى كل حال لا بد من وقوعه قبل الدخول ، وأما قول أبى هريرة لا يؤذن لمن يستأذن حتى سلم بمعناه فرض السلام ، وأنه لا يؤذن له إن لم يسلم ، وممن يقدم السلام ابن عمر ، وكان عمر يقول : السلام على رسول الله ، أيدخل عمر ، واختار بعض أنه إن رأيت أحداً أو قرب فقد السلام ، وإلا فالاستئذان .

ولا يستأذن أكثر من ثلاث إلا أن تحقق أن من فى البيت لم يسمع ، قال الطبرانى ، عن أبى أمامة عنه صلى الله عليه وسلم : « من كان يؤمن أنى رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأذن ويسلم » وإذا تفسح الباب أو لم يكن باب استأذن من جانب لئلا يرى وما فى داخله ، ومن دخل بلا إذن أو نظر داخل البيت بعينه هلك ، وإن فقأ عينه أحد من داخل بيته : « لو علمت أنك تنظرنى لطعنت فى عينك بهذه المدرى » وهو على طاهره لقول أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم :

« لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن ففقأت عينه بحصاة لم يكن عليك حرج » واختار بعض أن ذلك بمعنى أن يفعل به مالا يعود معه الى النظر فى البيوت ، كما أمر بلالا بقطع لسان عباس بن مرداس حين مدحه وأراد إعطاءه .

﴿ ذلكم ﴾ المذكور من الاستئذان والتسليم ، أو ذلك الدخول بهما ﴿ خير لكم ﴾ منفعة لكم ضد السوء ، أو أفضل من الدخول بلا إذن ، فقد يشاهد ما لا يرضى رب البيت ، وبلا سلام كما تقول الجاهلية : حييتم صباحاً ، أو حييتم مساء فيدخلون ، ووجه التفضيل أن الجاهلية يعدون ما يفعلون حسناً ، ويعدون الانتظار مذلة ، أو اسم التفضيل خارج عن بابه ﴿ لعلَّكم ﴾ فرض ذلك لعلكم ﴿ تذكَّرون ﴾ أو لتذكروا فتعلموا بموجبه ، وأجر المسلم سلام الدخول أو سلام اللاقاة أكثر من سلام الراد ، لأنه ابتداء فله فضل السبق ، وكل من البدء والرد فرض عند الدخول .

وأما سلام الملاقاة فسلام البادى أفضل عند بعض ، لأنه بدء فله فضل السبق ، وفضل أنه سبب الرد الواجب ، وقيل الراد أفضل لوجوب الرد ، والواجب أفضل ويجب السلام عند الدخول على الصبى فى البيت ، ولو كان لا يجب على الصبى الرد ، أما سلام اللاقاة على الصبيان ، فزعم بعض أنه لا ينبغى ، فقيل لأنه لا يجب عليه الرد وليس بشىء ، والحق أنه يسلم عليهم استجاباً إن كانوا لا يعقلون ، وأيضاً فى السلام عليهم تعليم ، قال صلى الله عليه وسلم : « بعثت معلم »

قال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم علينا ونحن صبيان ، ويبعثنى خصوصاً فى حاجة ، وكذا كان ابن عمر يسلم على الصبيان ، وكذا قال عمر بن عنبسة يسلم علينا ابن عمر ، ونحن صبيان ، والصواب عنبسة بن عمار ، لا عمر بن عنبسة ، وعن ابن سيرين : أنه كان يسلم علهم بلا إسماع لهم ، وروى أن الحسن لا يسلم على الصبيان .

٢٬٨١٨ / ٦٬٢٣٦