تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النور

الجزء النور · صفحة ٠
[سورة النور — آية 31]

﴿ وقل للمؤمنات يَغْضضنَ من أبصارهن ﴾ مثل ما مرَّ ويحل لهنَّ ما رد الركبة أسفل ، والسرة فوق من الأجانب والمحارم ، والنساء بلا شهوة ﴿ ويحفظن فروجَهنَّ ﴾ ما يتزين به من الحلى إذا كان فى المحل الذى لا يرى ، فلا يحل النظر الى ما يعلقن بالأذن أو يلبسنه الذراع ، أو الرجل أو العنق ، أو الشعر ، لا يرى نفس تلك الجوارح ، فلا يبدين هؤلاء للأجانب ، وإن نزع عن الجسد جاز إبداؤه والنظر اليه بلا شهوة .

﴿ إلا ما ظَهَر منها ﴾ جرت العادة بظهور كالكحل فى العين ، والنقط فى الوجه بالأسود أو الأحمر ، أو غيرهما ، والتحمير والبيض ، والخاتم فى الأصبع ، والخضاب فى الكفين ، وفى رواية الذراعان ليسا بعورة ، ولا تثبت عندنا ، ولا عند جمهور قومنا ، وتقدم أن الوجه والكفين عورات إذا كان فيهن زينة ، وعليه فمما ظهر منها الثوب الحسن الداثر ، والجلباب ، كما روى عن ابن مسعود ، وعنه : الثياب كما هو الزينة فى قوله عز وجل : ﴿ خذوا زينتكم ﴾ وعن ابن عباس الكحل والخاتم والقرط والقلادة ، أى إذا كان لا يظهر موضع القرط والقلادة ، وكذا فى قول الحسن : إنه الخاتم والسوار وستر الوجه مطلقاً هو السنة .

﴿ وليضربنَ ﴾ يغطين ﴿ بخُمُرهنَّ ﴾ جمع خمار ، وهو ما يستر الرأس من المرأة من الخمر ، وهو الستر ﴿ على جُيوبهِنَّ ﴾ مخارج الرءوس والأعناق من الجبة والقميص من الجيب ، بمعنى القطع ، وذلك لأنه يبدوا من ذلك أعلى الصدر ، فأمرن بستره ، وكن يغطين رءوسهن بالخمر مسدلات من خلفهن ، فيبدو العنق وأعلى الصدر ، وسارعت نساء المهاجرين الى ضرب الخمر حين نزلت الآية .

وأما تسمية ما يخاط فى أعلى الجبة أو القميص لحفظ الدراهم مثلا جيبا فمجاز مرسل فى الأصل ، علاقته الجوار أو الحلول فى الأصل ، ثم صارت حقيقة عرفية عامة ، وهؤلاء الآيات دالات على خطر البصر ، فإن الاستئذان من النظر وستر الفرج ، لئلا يرى ، وابداء الزينة محرم لئلا ترى ، وأمر الرجال والنساء بالغض ، وأمرن بضرب الخمر على الجيوب ، والناس يستصغرن النظر ، ويتهاونون به .

كل الحوادث مبدؤها من النظر … ومعظم النار من مستصغر الشرر

والمرء ما دام ذا عين يقلبها … فى أعين العين موقوف على الخطر

كم نظرة فعلت فى قلب فاعلها … فعل السهام بلا قوس ولا وتر

يستر ناظره ماضر خاطره … لا مرحباً بسرور عاد بالضرر

وليس فى ذلك تضييق كلى عليهن وعليكم ، ولأن لكم ولهن فسحة بغير ذلك للضرورة ، وعدم وجود المانع فى قوله تعالى : ﴿ ولا يُبدينَ زينتهنَّ إلا لبُعُولتهن ﴾ الى قوله : ﴿ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ﴾ والبعولة جمع جمع لبعل أو جمع وهم أزواجهن ، وقدموا لأنه لم يحجر عليهم شىء منها ، ولو نظر من زوجه داخل فرجها ، وكره بعضهم النظر الى فرجها ، حتى إن للزوج ضربها على ترك الزينة ولأزواجهن خلقن للتمتع والولادة .

﴿ أو آبائهنَّ ﴾ شامل للأجداد من جهة الأب أو الأم ما علو ، قدموا لأنهم لا يفتنون بيناتهم اشتهاء ، وما وقع نادر شاذ خارج عن المروة المعتادة ﴿ أو آباء بعولتهنَّ ﴾ وأجدتدهم من جهة الأب أو الأم وإن علوا ، قدموا لأن غيرة على أزواج أبنائهم أن يشاركوهم فى نسائهم بنظر الشهوة أو المس بها ، وما فوق ذلك .

﴿ أو أبنائهنَّ ﴾ شامل لبنى الأبناء وإن سفلوا ، ولبنى البنات وإن سفلوا أو سفلن ، وأخروا مع أنهم أشد بعدا عن اشتهائهن ، وما يترتب عليه مثل الأب ليتصل الكلام على البعولة ، ولآباء وآباء البعولة ، لا يفصل بالنبوة ﴿ أو أبناء بعولتهنَّ ﴾ من غيرهن من النساء شامل لبنى أبناء البعولة ، وبنى بنات البعولة وإن سفلوا وسفلن .

﴿ أو إخوانهنَّ ﴾ من الأب والأم ، أو من احدهما ، أخرت جهة الأخوة لأنها دون البنوة فى البعد عن الاشتهاء والعمل به ﴿ أو بنى اخوانهنَّ ﴾ وإن سفلوا الشامل لبنى بنات إخوانهن ، وإن سفلوا وسفلن ، واستعمل بنى فى الإخوة دون أبناء لأنه أوفق فى العموم ، وكثرة الاستعمال مع عدم اتحاد صنف القرابة فيما بينهم ، ألا ترى أنه يقال بنو آدم ، وبنو تميم لا أبناء إلا ما شذ فقد يجتمع لها ابن أخ شقيقق ، وابن أخ للأب ، وابن أخ للأم ، وأبناء أخ شقيق ، وأبناء إخوة أشقاء ، وأبناء أخ أو أخت ، وأبناء أخ أو إخوة لأب أو لأم .

والرضاع فى ذلك كله كالنسب ، ودخلت الأعمام والأخوال بالسنة ، ولأنهم فى معنى الإخوان ، لأن الجد فى معنى الأب ، فابنه فى معنى الأخ ، ولأن الأعمام آباء ، والأخوال كالأمهات كما فى الحديث ، والاستعمال كقوله تعالى : ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ﴾ لئلا يتوهم أن أبناءهم مثلهم كما فى سائر الآية ، وهذا مما وفقت لاستخراجه ، وكثر ذلك والحمد لله ، إلا أنى لا أذكر أن كذا من مستخرجاتى إلا قليلا ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله .

﴿ أو نسائهنَّ ﴾ أى المؤمنات غير الفواسق التى يصفن فلا بيدين لهن ، ولا للمشركات إلا ما يبدين للأجانب ، كما روى عن عمر فى المشركة ، إذ لا تتخرج عن الوصف ، وقيل : إن المراد جميع النساء ، واستثناء السلف الفواسق ، والمشركات استحباب ، وقول عمر رضى الله عنه : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدى للمشركة ما تبدى للمؤمنة غير هذا ، ولكن ورد دخول الذميات على أمهات المؤمنين ، قلت : لكن لم يرد أنهن رأين منهن ما لا يراه الأجانب .

﴿ أو ما ملكت أيمانهنَّ ﴾ من الاماء ولو كوافر ، ومن العبيد ، ولو ملكت جزء منهن أو منهم فقط ، وقيل : لا حتى تملك العبد كله أو الأمة المشركة كلها ، وقال سعيد بن المسيب : ما ملكت أيمانهن هن الاماء ، وأما عبدها فلا يحل لها ابداء الزينة له ، ويرده أنه تخصيص بلا دليل ، وأنه لو أريد الاماء فقط لقيل أو إماءهن فيكون نصا ، وكذا ما قاله أئمة اهل البيت أنه يجوز لها أن تبدى لعبدها ما تبدى للنساء ، وكانت عائشة رضى الله عنها تمتشط ، وعبدها ذكوان يراها ، وقالت : إذا وضعتنى فى القبر ، وخرجب فأنت حر ، والمكاتب عندنا حر من حينه وعليه دين فلا تبدى له ، وأتى صلى الله عليه وسلم فاطمة رضى الله عنها بعبد وهبه لها ، وعليها ثوب إذا غطت به رجليها انكشف رأسها أو رأسها انكشف رجلها ، فتحرجت فقال صلى الله عليه وسلم لا بأس أنا أبوك ، وهذا مملوكك ، وجعل بعض عبد الزوج كمحرم لما لقوله تعالى : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ والمذهب أنه أجنب إلا أن مكلت جزء منه .

﴿ أو التابعين ﴾ للناس يصيبوا من فضل طعامهم الذين لا يصفون للرجال ﴿ غير ﴾ نعت ﴿ أولى الإرْبةِ ﴾ الحاجة الى التمتع بالنساء ﴿ من الرِّجال ﴾ وهم البله الذين لا يشتهون النساء ، وغير البله الذين لا يشتهون ولا المجنون والشيخ الفانى والخصى ، إذ قد يبقى فيهم بعض اشتهاء ، أو يحضر تارة منهم اشتهاء ، ولو ظهر انه لا يشتهى ، لأن الوصف محذور شرعاً ، بل قد يكون وصفه لبعض اشتهاء فيه ، وجد صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم مخنصا عند بعض نسائه يصف امرأة بأنها تقبل بأربع ، وتدبر بثمان فقال : قد عرف ما هناك ، فلا يدخل عليكن ، وأخرجه من الدنية ، فكان يدخلها كل جمعة يستطع .

﴿ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ﴾ لم تطلع قلوبهم على عوراتهن بالأشتهاء ، أو لم يقووا على الجماع ، لعدم تعلق قلوبهم به ، يقال قوى على الشىء اطلع عليه ، او قدر عليه ، وفى المراهق فى المذهب قولان : بعض يحكم عليه بحكم البالغ ، وبعض لا يحكم عليه به ، وهو الصحيح ، وكذا قولان عند الشافعية ، والمنع أحوط ، فان كان يصف لم يبدين له ولو تحقق أنه لا اشتهاء له ، ولا يصف ، جاز الابداء له ، والطفل يطلق على ما فوق الواحد ، كالواحد كما فى الصحاح ، فتحمل عليه الآية ، وقوله عز وجل : ﴿ ثم يخرجكم طفلا ﴾ فلا حاجة الى كون النعت بالجمع لأل الجنسية ، ولا الى تقدير يخرج كل واحد طفلا على حد ما قلنا فى : ﴿ وأعتدت لهنَّ مُتكأ ﴾ اعتدت لكل واحدة .

ونقول معنى قول بعض : أنه مفرد وضع موضع الجمع أنه موضوع لغة بمعنى الجمع تارة لا مفرد ، استعمل بمعنى الجمع ، وذلك كما قيل : إنه مصدر فى الأصل ، فجاز استعماله فى القليل والكثير ، ومعنى العورات ما يستقبح انكشافه منهن لا خصوص الفرجين ﴿ ولا يضربنَ بأرجُلهنَّ ﴾ الأرض ﴿ ليعْلم ما يخْفينَ مِن زينَتهِنَّ ﴾ بصوت الخلخال بما تعلق به من نحو جزع ، أو بما فى جوفه من ذلك ، أو لا يضربن رجلا برجل ، وفيهما خلخالان يصوتان بالتقائهما ، وكن يفعلن ذلك ليعلم الرجال أنهنَّ ذوات رجال حرائر ، فيخلى لهن الطريق ، ولا يتكلم لهن ، والسامع يتعلق قلبه بذلك ، ويوهم أن لهن ميلا إليهم ، والمدار على الميل حتى إنه لا يجوز الاتماع لكلامهن ، إذا كان مشهياً .

وقد قال صلى الله عليه وسلم فى سهو الامام : « التصفيق للنساء والتكبير للرجال » وكيف يحل للرجل النظر الى زوج أخيه ، وكيف يأمر أبوهما أو أمهما بذلك ، وكيف يرضى أحد الزوجين بذلك ، وفى ذكر الزينة فى مواضع من هذه الآية اشارة الى أنها مباحة للنساء ، وأنها من شأنهن كما قال الله عز وجل : ﴿ أو من ينشأ فى الحلية ﴾ وسواء أكان لهن أزواج أم لم يكونوا ، ولا تقصد الرئاء ، ولا يحل لهن الحرير والذهب فى الاحرام بحج أو عمرة ، وأجيز الحرير للرجل فى الحرب ، وكذا بسن للرجل التزين بلا اسراف قيل :

تجمل بالثياب ولاتبال … فإن العين قبل الاختبار

فلو جعل الثياب على حمار … لقال الناس يا لك من حمار

ولا يجوز لباس الحرير بأنواعه للرجل ، وكذا ما صور بصورة الحرير من حلفاء وغيرها ، لأن فيه التخنث كالحرير ، وكان ابن عمر يقطع علم الحرير من العمامة ، وكذا قال جابر بن عبد الله : كنا نقطع أعلام الحرير ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير ، فاستوى فيه القليل والكثير .

وعن أبى أمامة : أنه أجاز صلى الله عليه وسلم ثلاثة أصابع ، وعن عمر إجازة الأصبع والأصبعين ، والثلاث ، لأن القليل فى حد العفو ، وأجيز تفريشه ، ولا يجوز ما فيه صورة من ثياب ، لأنه صلى الله عليه وسلم خرق ستراً على باب عائشة رضى الله عنها عليه طيور وقال : « إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو تمثال » ولعل ذلك ندب ، وأجاز بعض ما كان كذلك رقماً ويجوز الاتكاء على ما فيه ذلك .

﴿ وتُوبُوا الى الله جميعاً أيه المؤمنُونَ ﴾ فإنكم لا تخلون من ذنب فيما بينكم وبين الله ، وفيما بينكم بالقلب أو مع الجارحة ، ولا سيما فى الكف عن الشهوات ، فقد تظلم غيرك من جهة ، ويظلمك من أخرى ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول : « يا أيها الناس توبوا الى الله فانى اتوب اليه كل يوم مائة مرة » ويجب أو يتأكد أو يستحب أقوال أن يتوب المذنب من ذنبه إذا تذكره ، ولو فعله قبل إسلامه .

﴿ لَعَلَّكم تُفْلحون * وأنكحُوا ﴾ تحصينا عن الزنى ومقدماته ، فان الوطأ بالحلال يزيل تعلق القلب بالزنى ويزيل وسواس القلب ، ويسكن الغضب ، وينفع من بعض الفروج ، فيمن كان طبعه الحرارة ، ويصفى القلب ، ويقال كل شهوة تقسى القلب إلا الجماع ، فإنه يصفيه ، ولذلك تفعله الأنبياء ، وذلك كله للرجل والمأة ﴿ الأيامى ﴾ جمع أيم ، وهو من لا زوج له من الرجال أو النساء ، سواء كان له أو لها زوج من قبل ، وافترقا بوجه أم لا ، وقيل حقيق فيمن كان له ، وفارقه مجاز فيمن لم يكن له ويناسبه قوله صلى الله عليه وسلم :

٢٬٨٢٢ / ٦٬٢٣٦