سورة النور
الجزء النور · صفحة ٠﴿ ألم تر أنَّ يُسبِّح له من فى السموات والأرض والطَّيْر صافات ﴾ الاستفهام تقرير بما وقع ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم عالم بالوحى فيها نزول الآية ، أو بالمكاشفة بأن من فى السموات والأرض والطير تستح له تعالى ، أو الخطاب لمن يصلح على العموم ، أوله صلى الله عليه وسلم ، والمراد جميع المكلفين ، وعليهما فالتقرير بما يشاهدون ويفهمون من الأحوال ، والرؤية بمعنى العلم استعارة من الأبصار بالعين ، لعلاقة الادراك ، او مجاز مرسل لعلاقة اللزوم ، أو التسبب وقيل حقيقة فى الآية جمع بين الحقيقة والمجاز ، إذ جمعت التسبيح بالألسنة والتسبيح بغيرها مما يعلمه الله من الجمادات ، أو من حيوانات لا تسبح بلسانها . أو جمعت التسبيح بالنظق ، وبلسان الحال ، وذلك على أن من فى الآية مستعملة لغير العقلاء معهم ، تغليباً ، ويجوز أن يراد عموم المجاز ، وهو الخضوع الموجود فى تسبيح اللسان وغيره ، وإن أريد بمن العقلاء فقط ، فالتسبيح حقيق ، فيقدر للطير عامل مجازى ، أى ويسبح الطير ، وإن كان تسبيحها كما ورد فى بعض فتسبيحها داخل فى تسبيح العقلاء أعنى أنه لا يقدر عامل ، وصافات واقفة فى الجو ، أى من شأنها ، ولا يختص التسبيح بحال كونها صافات ، وفيها دلالة عظيمة على قدرة الله تعالى ، إذ تقف فى الهواء ، وتجرى فيه بقبض الجنحة وبسطها ، مع أنها أجسام ثقال .
﴿ كلٌ ﴾ ممن فى السموات والأرض والطير ، وخص الطير هنا وفيما قبل لأنها ليست فى الأرض ، بل فى الجو ، ولو كانت فى جهة الأرض ، لكنها من الأرض ، وتسكن فيها فبهدا الاعتبار خصها مع أنها مما فى الأرض لتميز شأنها بالتصرف فى الهواء ، وفيه أيضاً طير خلقت فيه ، ولا تصل الأرض ، وقيل : كل واحد من الطير ﴿ قَدْ علم ﴾ الله ﴿ صلاته ﴾ صلاة كل واحد له تعالى ، أى عبادته له أو دعاءه .
﴿ وتَسْبيحه ﴾ تسبيح كل واحد له تعالى ، وهذا أوفق للأصل ، وهو إضافة المصدر لفاعله ، وموافقة صلاته فى ذلك لاضافته ، للفاعل ولو رجعنا الضمير علم الى كل واحد مما ذكر ، بمعنى أنها تصلى وتسبح ، وهى تعلم انها تفعل ذلك ، ولست خالقا لها على نوع صلاة وتسبيح طبعا لا تعلم به .
﴿ واللهُ عَليمٌ بما يفْعَلون ﴾ بما يفعل من فى السموات والأرض والطير ، كما علم صلاتهم وتسبيحهم .