تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الشعراء

الجزء الشعراء · صفحة ٠
[سورة الشعراء — آية 227]

﴿ إلاَّ الذين آمنُوا وعَملُوا الصالحات وذكَروا الله كَثيراً ﴾ يقولون الشعر فى التوحيد ، ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويهجون المشركين ، ولا بأس به فى المباح تعلماً لما نزل ، والشعراء يتبعهم الغاوون ، جاء ناس من الأنصار كعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك باكين ، وقالوا : يا رسول الله نحن شعراء ، فأنزل الله عز وجل : ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ إلخ ، ولم يزل الموحدون ينظمون الشعر فى علوم الاسلام ، ومدح الرسول ، وذكر معجزاته وشأنه وفى ذلك ، وفى ذم المشركين انتصار عليهم .

وقال لكعب بن مالك : « إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذى نفسى بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل » واستمع لشعر حسان فقال : « لهذا أشد عليهم من وقع النبل » وسمع الشعر وأجاز عليه ، وقال لحسان : « اهجهم وجبريل معك » وقال صلى الله عليه وسلم : « إن جبريل أعان حساناً على مدحى بسبعين بيتاً » روى انه صلى الله عليه وسلم دخل مكة فى عمرة القضاء ، وبين يديه ابن رواحة يقول :

خلوا بنى الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تنزيله

ضرباً يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله

فقال عمر رضى الله عنه : يا ابن رواحة أتقول الشعر بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفى حرم الله تعالى؟ّ فقال صلى الله عليه وسلم : « دعه يا عمر فلهى أسرع فهم من نضج النبل » وروى أن ذلك كعب بن مالك لا عبد الله بن رواحة ، لأن عبد الله قتل يوم مؤتة ، وعمرة القضاء بعد ذلك ، والحق ان عمرة القضاء فى سنة سبع ، ويوم مؤتة سنة ثمان ، وكان صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبراً فى المسجد ، يمدح رسول صلى صلى الله عليه وسلم ويقول شعراً ، وكان يأمر حساناً وكعباً ، وعبد الله بن رواحة بالشعر مدحاً للاسلام .

وعن ابن مسعود ، عنه صلى الله عليه وسلم : « إن الله عز وجل يأمر شعراء المسلمين أن يقولا شعراً يتغنى به الحور العين لأزواجهن فى الجنة » وشعراً المشركين يدعون فى النار بالويل والثبور ، لما وجىء عمر رضى الله عنه قال له كعب ، تموت لثلاث ، فقال رضى الله عنه :

توعدنى كعب ثلاثاً يعدها … ولا شك أن القول ما قاله كعب

وما بى خوف الموت إنى لميت … ولكن خوف الذنب يتبعه الذنب

ولما مات صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة رضى الله عنها وأرضاها :

ماذا على من شم تربة أحمد … أن لا يشم مع الزمان غواليا

صبت على مصائب لو أنها … صبت على الأيام صرن لياليا

وقال الحسن بن على :

نسود أعلاها وتأبى أصولها … فليت الذى يسود منها هو الأصل

ومن شعر الشافعى :

ومتعب النفس مرتاح الى بلد … والموت يطلبه فى ذلك البلد

وضاحك والمنايا فوق هامته … لو كان يعلم غيباً مات من كمد

من كان لم يؤت علماً فى بقاء غد … فلا يفكر لما يجىء بعد غد

وقال على :

ولما رأيت الخيل تزحم بالفنا … نواص لها حمر النحور دوامى

وأعرض نفع فى السماء كأنه … عجاجة دجن ملبس بقتام

ونادى ابن هند فى الكلاع وحمير … وكندة فى لخم وحى جذام

تيممت همدان الذين هم هم … إذا ناب دهر جنتى وسهامى

فجاوبنى من خيل همدان عصبة … فوارس من همدان غير لئام

فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها … وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام

فول كنت بواباً على باب جنة … لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

وخطب ابنة سفيان بن عيبنة ابن أخيه فقال : كفؤ كريم ، لكن هل تحفظ عشر آيات؟ قال : لا قال : فعشرة أحاديث؟ قال : لا ، قال : فعشرة أبيات؟قال لا ، قال ففيم أضع بنتى ، لكن لا ترجع خائباً فاعطاه عشرة آلاف درهم .

﴿ وانتَصُروا ﴾ على المشركين بمدح الاسلام ، وذم الكفر وأهله ، والقتال ﴿ مِن بعْدما ﴾ مصدرية ﴿ ظُلمُوا ﴾ فى دينهم وأبدانهم وأعراضهم وأموالهم ﴿ وسَيعْلم الَّذين ظَلمُوا ﴾ رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة ، بالهجو وغيره ، أو ظلموا أشركوا ، وتعميم ذلك أولى ﴿ أىَّ منقلبٍ ينْقلبُون ﴾ أى مفعول مطلق واقع على الانقلاب ، ومنقلب مصدر ميمى ، والعلم متعلق بالاستفهام ، وغير هذا تخليط ، وليست أى وصفاً ، وهذه الآية يتواعظ بها السلف الصالح ، قال الصديق رضى الله عنه فى مرض موته ، لعثمان : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبى قحافة عند آخر عهده بالدنيا ، وأول عهده بالآخرة ، فى الحال التى يؤمن فيها الكافر ، ويتقى فيها الفاجر ، ويصدق فيها الكاذب ، أنى قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، فان يعدل فذلك ظنى به ، ورجائى فيه ، وأن يجر ويبدل فلا علم لى بالغيب ، والخير أردت ، ولكل امرىء ما اكتسب ، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون ، والله أعلم .

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .

٣٬١٥٩ / ٦٬٢٣٦