سورة النمل
الجزء النمل · صفحة ٠﴿ وألق عَصَاك ﴾ عطف على أن بورك ، أى وبلفظ ألق عصاك ، كما قال : ﴿ وأن ألق عصاك ﴾ بعد قوله عز وجل : ﴿ أن يا موسى إنى أنا الله ﴾ ولا يعارض ذلك بتجديد النداء ، لأنا علقنا يا موسى بقوله : ﴿ وسبحان الله ﴾ وإن علقناه بما بعده ، فلا بأس بجملة معترضة ، وجاز العطف على بورك بلا تأويل لفظ إذا جعل دعاء من غير الله ، والله لا يدعو ، واذا جعل أخباراً أيضاً لأن سيبويه أجاز عطف الطلب على الخبر والعكس ، والتخالف بالاسمية والفعلية ، لأنه أجاز : جاء زيد ومن عمر وبالعطف ، فيجوز عطف ألق على ﴿ إنه أنا الله العزيز الحكيم ﴾ وقدر بعض القول معطوفاً على بورك ، أى وقيل له ألق .
﴿ فلمَّا رآها تَهْتزّ ﴾ أى فألقاها فانقلبت حية تهتز ، فلما رآها تهتز ﴿ كأنَّها جانٌ ﴾ حية صغيرة خفيفة سريعة التحرك والتنقل ، مع عظم جرم العصا ، كما قال : ﴿ ثعبان مبين ﴾ أو هى فى حال تحركها تتحرك بخفة تارة ، وبثقل أخرى ، فى مقام واحد ﴿ وَلَّى مُدبراً ﴾ منهزماً خائفاً ﴿ ولم يُعقِّب ﴾ لم يرجع الى عقبه أى خلفه ﴿ يا مُوسى ﴾ قلنا : يا موسى ﴿ لا تخف ﴾ من تلك الحية ﴿ إنِّى لا يخاف لَدىَّ المرْسَلُون ﴾ ما لم أخوفهم ، وإذا أخفتهم خافوا ، وإنما أخاف الله تعالى موسى لقتله القبطى ، والخوف الذى هو شرط فى الايمان لا يفارق الأنبياء ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : « أنا أخشاكم لله تعالى » ومعنى الآية أنى لست أخوفك بها ، ولا أضرك بها ، فان شأنى مع رسلى لا أخوفهم ، ولا أضرهم ، أو لا تخف غيرى حية او غيرها ثقة ، أو أترك الخوف مطلقاً باستعمال الخوف بدون اعتبار مخوف منه .
وقيد بلدىّ أى فى حضرة القرب منى ، وذلك حين الوحى ، وأما فى سائر الأحوال ، فالمرسلون أشد الناس خوفاً من حصول التقصير وسوء العاقبة ولو عصموا ، لأنهم ينسون العصمة وتتغلب عليهم المخافة والاجلال ، وياخفون شر ما لم يظهره الله لهم ، وكذلك المبشرون من الصحابة ، ولا عصمة كعصمة الملائكة ، وهم يخافون ، لما مكر بابليس بكى جبريل وميكائيل عليهما السلام ، فقال الله عز وجل : « ما يبكيكما؟ » فقالا : يا رب ما نأمن من مكرك ، فقال الله تعالى : « هكذا كونا لا تأمنا مكرى » .