تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النمل

الجزء النمل · صفحة ٠
[سورة النمل — آية 43]

﴿ وصَدَّها ما كانَتْ تَعبد منْ دُون اللهِ ﴾ ما مصدرية ، والمصدر فاعل صد ، أى صدها عن الاسلام قبل ، او عن إظهاره الى هذا الحال كونها تعبد غير الله سبحانه ، أو نكرة موصوفة أو اسم موصول واقعة على الشمس فاعل صد ، أى صدها عن الاسلام قبل ذلك شىء تعبده من دون الله ، وهو الشمس ، أو الشىء الذى تعبده من دون الله ، أو الشمس التى تعبدها ، والرابط فى ذلك كله مقدر كما رأيت ، واسناد الصد الى ما كانت تعبده مجاز عقلى لعلاقة السببية ، وحقيقته وصدها الله بما كانت تعبده ، واسناده الى العبادة على وجه المصدرية حقيقة على العرف ﴿ إنَّها كانَتْ مِنْ قومٍ كافرينَ ﴾ لما أسلمت لم تظهر الاسلام قبل هذا الحال ، لرسوخ كفرهم ، وكأنه قيل : ماذا قيل لها بعد ذلك الامتحان؟ فأجيب بقوله :

﴿ قيل ﴾ أى قال غير سليمان أو سليمان ﴿ لها ادْخُلى الصَّرْح ﴾ أو ذلك خبر ثان لكانت ، ولهذا ربط بالضمير من لها ، وأما ما قيل من أنه جىء ب ﴿ لها ﴾ هنا دون قيل أحكذا المكان أمرها ، فلا يتم ، لأن أهكذا أيضا خطاب لها يستدعى جوابا ، كأنه قيل أجيبى ، والصرح القصر العاصى من معنى التصريح ، وهو الاظهار ، وزعم بعض انه هنا البركة ، وبعض انه صحن الدار أو ساحتها ، ويناسبه قوله : ﴿ إنه ممرَّد ﴾ روى أنه أمر الجن فبنوا لها الصرح من زجاج أبيض ، وأجروا من تحته الماء ، ودواب الماء ، أو بنوا طبقات من الزجاج الذى هو كالماء بين كل كبقتين ماء وحيونه ، وهذه المبالغة تنافى انها أرادت أن تخوضه ، إلا أن تقاربت الطبقات ، ووضع سريره فى صدر المجلس ، وجلس عليه ، وعكفت عليه الطير والجن والانس ، وذلك امتحان لها فى الايمان .

وقيل : ليتبين كذب من قال : إن رجْلها رِجْل حمار إذا كشفت عن ساقيها تخوض اللجة ، ولكن بان أنهما شعر أو ان جاز لخاطب امرأة أن ينظر الى وجهه ، وظهر قيدميها ، قيل وشعرها ، وساقيها .

﴿ فلمَّا رأته ﴾ أى الصرح أى أسفل الصرح ﴿ حَسِبتْه لجةً ﴾ ماء عميقا قدر ما تخوض فيه ﴿ وكَشَفت عَنْ ساقَيْها ﴾ أذيالها لئلا تبتل ﴿ قال ﴾ سليمان ، وقيل : قال القائل ادخلى ويرده أنه لو كان ذلك لقال قيل كما قيل أولا ﴿ إنَّه ﴾ أى ما ترين من البناء كله أعلاه وأسفله ﴿ صَرحٌ مُمرَّدٌ ﴾ أو أنه بعض صرح ممرد ، أى مجرد عما يرد نفود البصر ﴿ مِنْ قَواريرَ ﴾ قطعات زجاج ، أو قطعات مجوفة منه نعت ثان ، أو خبر ثانٍ ﴿ قالت ربِّ إنِّى ظلمْت نَفْسى ﴾ بعبادة غيرك ، وكفرى بسليمان ، ومن أشرك فقد كفر بالأنبياء علم بهم أو لم يعلم ، قبل علمه وبعده ، ولا دلل يعلم به انها أرادت أنى ظلمت نفسى بظنى أن سليمان أراد اغراقى ، أو بامتحانيه حتى امتحننى ، ﴿ وأسْلَمت معَ سليمان لله ﴾ مقتضى الظاهر لك وإسقاط مع سليمان ولكن اتت اسم الجلالة تعظيماً لربها سبحانه بالألوهية والتفرد باستحقاق العبادة ، والملك لكل موجود كما قال : ﴿ ربِّ العَالمين ﴾ لما جددت الاسلام بحضرته تزوجها وأصدقها بعلبك ، وأقرها على ملكها ، وأمر الجن فبنوا لها سلحين وغمدان وبيسنون ، ويزورها فى الشهر مرة ، ويقيم عندها ثلاثة أيام ، وولدت له أبنا .

أخرج البيهقى عن الأوزاعى فى الزهد : أنه كسر برج من أبراج تدمر ، فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء ، مدمجة كأن أعطافها طى الطوامير ، عليها عمامة ثمانون ذراعا ، مكتوب على طرفها بالذهب : بسم الله الرحمن الرحيم أنا بلقيس ملكة سبأ ، زوج سليمان بن داود عليهما السلام ، ملكت من الدنيا كافرة ومؤمنة ، ما لم يملكه أحد قلبى ، ولا يملكه أحد بعدى ، صار مصيرى الى الموت ، فأقصروا يا طالبى الدنيا ، وما تزوجها إلا بعد أن أزال شعر ساقيها بالنورة ، أخرجها له الشياطين بعد أن سأل الانس وسائر الجن فلم يجيبوا إلا بالحق ، فكرهه مخافة ان تجرح ، وقيل أمرها بالتزوج ، فقالت : وأنا ملكة الملوك؟ قال : لا بد فى الاسلام منه ، قالت : فزوجنى ذا تبع ، ففعل وردها الى اليمين ، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يخدمه ، ويزى أنه لما مات سليمان نادى فى اليمن يا معشر الجن ارفعو أيديكم قد مات سليمان فتفرقوا .

٣٬٢٠٢ / ٦٬٢٣٦