تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة العنكبوت

الجزء العنكبوت · صفحة ٠
[سورة العنكبوت — آية 8]

﴿ ووصَّيْنا انسان ﴾ الجنس الذكور والاناث الاحرار والعبيد ، اذ اباح لهم مالكهم او لا يحتاج فيه الى الاباحة ككلام حسن ودعاه وتعليم لا يشغل ﴿ بوالديه حسنا ﴾ ايحاء حسناً ، اى اذ حسن ، أو حسنا بفتح الحاء والسين ، او نفس الحسن تأكيداً كان الايصاء نفس الحسن بضم فاسكان ، او اسم مصدر على نزع الجار ، اى بالاحسان على ان الباء الاولى للالصاق ، والثانية للتعدية ، او حسنا مفعول مطلق اسم مصدر لمحذوف ، والجملة محكية بوصى بمعنى قال ، مفعول مطلق اسم مصدر لمحذوف ، والمجلة محكية بوصى بمعنى ، قال اى قلنا له : ليحسن بوالديه احسانا ، ولام ليحسن لام الامر ، ويحسن مجزوم ، او يقدر القول ، اى وصينا الانسان بوالديه ، قلنا له : احسن بهما احسانا ، او قلنا له افعل بهما حسناً اى فعل حسن ، والامر بالحسن ابلغ من الامر بطاعتهما ، لانه يكون بلا امر منهما وبه ، والطاعة ما كان عن امر .

﴿ وإن جاهداك ﴾ اى بالغا جهدهما في الامر بالاشراك ، ويقدر القول اى وقلنا : ان جاهداك ، وهذا القول المقدر معطوف على وصينا عطف اخبار على اخبار ، وان قدرنا القول قبل فهذا الكلام داخل في حيزه ، او العطف على الامر المقدر ، اى قلنا : احسن ولا تطهعما بالاشراك ان جاهداك ﴿ لتُشْرك بى ﴾ فى الالوهية ، او صفة من صفاتى ، او فعل من افعالى ﴿ مَا لَيس لَك به عِلمٌ ﴾ لعدم وجوده فضلاً على ان تعلمه ، فالمراد بنفى العلم نفى العلوم ، وذلك مجاز لعلاقة اللزوم ، والسببية ﴿ فأنبِّئكم ﴾ اخبركم ، ولا يتصور الاخبار بالشئ الا بعلم به ، ومن لازم في السوق ، اى لا تكن فيها ﴿ فلا تُطِعهْما ﴾ فى الاشراك ، ومن ذلك وغيره ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » .

﴿ الىَّ مرجعُكُم ﴾ رجوعكم بالاحياء بعد الموت ايها الناس كلكم ﴿ فأنبِّئكم ﴾ اخبركم ، ولا يتصور الاخبار بالشئ الا بالعلم به ، ومن لازم العلم بالشئ الجزاء به فالمعنى اجازيكم خيراً ، او شراً ﴿ بما كنُتْم تعْمَلون ﴾ من شرك وتوحيد ، ومعصية وطاعة ، وبر الوالدين وعقهما ، وكذا حق الولد عليهما ، نزلت هذه الآية والتي في لقمان والاحقاف في سعد بن ابي وقاص ، حين اسلم وحلفت امه حمنة بنت ابى سفيان بن امية ابن عبد شمس ، ولا تستتر من شمس ولا ريح ، وى تأكل ولا تشرب حتى يكفر بمحمد ، وكان احب ولدها اليها ، فبقيت ثلاثة ايام كذلك ، وقال : والله لو كان لها مائة نفس فخرجت واحدة بعد واحدة ما كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : « دارئها وأحسن اليها » .

وفي ربيعة بن ابى عياش المخزومى ، هاجر مع عمر حتى دخلا المدينة فجاءه ابو جهل بن هشام ، واخوه الحارث بن هشام اخواه لامه اسماء بنت مخزمة من بنى تميم بن حنظلة وقالا له : من دين محمد صلة الارحام وبر الوالدين ، وقد نزلت ، وقد تركت امك لا تأكل ولا تشرب ، ولا تستتر من شمس ولا من ريح حتى تراك والانالة ، فاذهب معنا لتراك ، فاستشار عمر رضى الله عنه فقال : خدعاك فاقم ولك نصف مالى فما زالا به حتى مال اليهما ، فقال له عمر : فخذ ناقتى فانها لا تسبقها ناقة ، فان رأيت سوءاً فانج بها الينا ، ولما وصلوا البيداء قال ابو جهل : احملنى معك كلت ناقتى ، فنزل ليوطئ له ، فربطاه وجلده كل منهما مائة ، ولما بلغ امه قالت : لا تزال تعذب حتى تكفر بمحمد .

٣٬٣٤٨ / ٦٬٢٣٦