تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الروم

الجزء الروم · صفحة ٠
[سورة الروم — آية 38]

﴿ أو لَمْ يَروْا أنَّ الله يْبُسطُ الرزق ﴾ الم ينظروا ، ولم يشاهدوا ان الله يبسط الرزق ﴿ لمَن يشَاءُ ﴾ البسط له ﴿ ويقْدر ﴾ يضيق على من يشاء التضييق عليه مالهم لم يشركاو ، ويحتسبوا فى السراء والضراء كالمؤمنين ، وهذا هو المتبادر فى القرآن ، وهو أولى من ان فسر بانه يضيق على الانسان تارة ، ويبسط له اخرة ، او يبسط له رزقا من نوع ، ويضيق عليه من اخر ﴿ إنَّ فى ذلك ﴾ المذكور من البسط والتضييق ﴿ لآيات لقِومٍ يُؤمنُون ﴾ بان الامر فى الرزق وغيره راجع الى حكمة الله لا الى قوة العبد وعجزه فى الكسب قيل :

نكيد الاريب وطيب عيش الجاهل … قد ارشداك الى حكيم كامل

وقيل :

كم من اريب فهم قلبه … مستكمل العقل مقل عديم

ومن جهول مكثر ماله … ذلك تقدير العزيز العليم

﴿ فآت ﴾ يا محد صلى الله عليه وسلم ، واما غيره فتبع له ، وقال الحسن : الخطاب لكل سامع ، ويجوز ان يكون لمن بسط له الرزق ، ووجه التفريع بالفاء ان الرزق بمشيئة الله ، وكذا التضييق ، ولا ينقصه انفاق على ذى القربى وغيره ، ولا يزيده امساك فاغتنم الانفاق ، فان امتثال اوامر الله ، واجتناب نواهيه ميسر للبسط ، ومنه القناعة ، قيل :

اذا جادت الدنيا عليك فجد بها … على الناس طرا قبل ان تتفلت

فى الجود يفينها اذا هى اقبلت … ولا الشح يبقيه اذا ما تولت

او قل : على الناس طرا انها تتقلب … وقل : ولا البخل يبقيها اذا هى تذهب

﴿ ذا القربى حقَّه ﴾ صلة وصدقة وكفارة ، وما للضعفاء ، وما للاغنياء بحسب الامر ﴿ والمسْكِين وابن السَّبيل ﴾ ما لهم من ذلك ، وقيل : المراد بالحق الزكاة ، ورد بان السورة مكية ، والزكاة مدينة ، ودعوى ان الاية مدينة فى سورة مكية ، او مكية نزلت لما سيعرض فى المدينة من الزكاة ، خلاف الاصل ، وايضا لا نقل فى ذلك ، ولا حجة ، ويدل لذلك انه لم يذكر جميع اصحاب الزكاة المذكورين فى غير السورة قيل : ولو اريدت الزكاة لم يقدم ذو القربى ، وفيه انه لا بأس بتقديمهم فى اداء صاحب المال الفرض زيادة له فى ثوابه ، اذ فيه اداء فرض ، وصلة رحم ، وقيل : ذو القربى ، بنو هاشم ، وبنو المطلب ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحق السهم الغنيمة ، والفئ .

وعن ابى سعيد الخدرى : انه لما نزلت الاية اعطى صلى الله عليه وسلم فاطمة رضى الله عنها فدكا ، وينافيه ما روى : انها ادعت فدكا بعد موته صلى الله عليه وسلم بالارث ، وروى انها ادعت الهبة ، وشهد لها على والحسن والحسين وام ايمن ، وردت بحنو الزوج وابنيها عليها ، وانفراد ام ايمن ، قيل : فادعت الارث ، وردت بقوله صلى الله عليه وسلم : « إنا معشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) »

والصدقة لا تحل لآل النبى صلى الله عليه وسلم ، ولعل ذلك لا يصح عنها ، كيف تتلون فى الدعوى ، ولعلها قالت : ان لم تعطونى بالهبة فاعطونى بالارث ، ولكن هذا يحتاج الى ثبوت فدك ملكا له وحده صلى الله عليه وسلم ، ولعلها ادعت سهمه .

وابن السبيل المنقطع عن ماله ضيفا او غير ضيف ، وقيل : الضيف فيحسن اليه حتى يرتحل ، وقيل : ثلاثة ايام انقطع عن ماله او لم ينقطع ، وقدم ذا القربى لعظم حق القرابة ، ولاسيما وقد اوجب ابو حنيفة انفاق القرابة مطلقا بهذه الآية ، وقيل عنه : القرابة بالمحارم ، وزعمت الشافعية انه لا نفقة بالقرابة الا على الولد والواليدن ، ومما يدل على زيادة حق القرابة انه اضف اليه الحق ولم يضفه الى ابن السبيل والمسكين ، ولا جمع الثلاثة بالاضافة بان يقول : فآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم ، وقال : ( ذا القربى ) ولم يقل : ذا المسكنة ، لان القرابة لا تزول ولا تتجدد ، بخلاف المسكنة ، واما ابن السبيل فيكفى فى تحدده اضافته للسبيل .

﴿ ذلك ﴾ الايتاء ﴿ خيرٌ ﴾ منفعة ، فليس وصفا او افضل ، فهو وصف اسم تفضيل خارج عن بابه ، او افضل من الامساك ، فهو غير خارج وفى الامساك فضل بحسب الهوى ، وفضل الانفاق افضل منه ﴿ للَّذين يُريدون ﴾ بالايتاء ﴿ وجْه الله ﴾ يخلصون له تعالى ، لا يشوب ايتاءهم شئ ، ووجه الله جهة الله ، بمعنى جهة التقرب اليه تعالى ﴿ وأولئك هُم المفلحُون ﴾ لتحصيل النعيم الدائم بانفاق فان ، والحصر اضافى بالنسبة الى المسكين ، وهم على ان الذين لا ينفقون ، اى هم المفلحون لا الممسكون ، او حقيقى على ان الذين يريدون وجه الله بالايتاء قد اتوا بسائر الفرائض ايضا من اقامة الصلاة وغيرها .

٣٬٤٤٧ / ٦٬٢٣٦