تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الروم

الجزء الروم · صفحة ٠
[سورة الروم — آية 46]

﴿ ومِنْ آياته أن يُرسل الرياحَ ﴾ الجنوب من سهيل الى الثريا للامطار والانداد ، والصبا منها الى نبات نعش لالقاح الشجر ، والشمال منها الى النسر الطائر فانها رياح الرحمة والدبور منه ، الى سهل ريح العذاب والبلاء ، واهونه غبار قاصف يقذى العين ، وهى اقلها هبوبا ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا » رواه الطبرانى والبيهقى ، فالرياح للرحمة ، والريح للعذاب ، والعرب تقول لا تفلح السحاب الا من رياح مختلفة ، فكأنه صلى الله عليه وسلم قال : اللهم اجعلها لقاحا للسحاب ، ولا تجعلها عذابا ، والجمع يأتى فى آيات فى الرحمة ، والمفرد فى العذاب كالريح العقيم ، وريحا صرصرا ، والريح الواحدة من جهة تهد ما قابلت من حيوان ونبات ، ويفوت الجانب الاخر حظه من الهواء ، ولكن جاء الافراد فى الخير أيضاً : ﴿ وجرين بهم بريح طيبة ﴾ ﴿ ولسليمان الريح ﴾ والحديث المذكور نسبه الى ابن حجر لانه يعلى ، عن انس مرفوعا ، وقال : صحيح ، واما ما مر عن ابن عباس فضعيف لسحين بن قيس فى سنده ، اذ هو متروك .

﴿ مُبشِّرات ﴾ بالمطر ﴿ وليُذيقُكم من رحْمَه ﴾ هى المنافع التابعة للرياح كتذرية الحبوب ، وتجفيف العفونة وسقى الاشجار ، والخصب التابع ، والروح مع هبوبها وغير ذلك ، والواو عاطفة على محذوف ، اى ليبشركم وليذيقكم ، او عطفت محذوفا ، اى ويرسلها ليذيقكم ، وقيل : معنى العلة فيه على معنى يرسل ليبشركم ، كقولك : زيد محسنا على قصد معنى اكرم لاحسانه ، وزعم بعض ان الواو زائد ، وليذيق متعلق بيرسل وهو عجز .

﴿ ولتَجْرى الفلك ﴾ فى البحر ﴿ بأمره ﴾ بقضائه على وجه يتأتى بهبوبه المطلوب ، وهبوبها مواتية امر من الامور التى لا يقدر عليها سواه تعالى ﴿ ولتبتَغُوا ﴾ تطلبوا الرزق بالسفر فيها من فضله ، ﴿ ولعلَّكم تَشْكُرون ﴾ انعامه عليكم بذلكم ، وسلاه صلى الله عليه وسلم بالوعد له ، والوعيد على من عصاه ، مع التحذير عن الاخلال بالشكر فى قوله :

﴿ ولَقد ارسلنا من قبلك رُسُلاً الى قَومِهِم ﴾ كما ارسلناك الى قومك ، والاضافة للجنس فكأنه قيل الى اقوامهم ﴿ فجاءهم بالبينات ﴾ جاء كل رسول قومه بالبينات كما جئت قومك بالبينات ﴿ فانْنقَمْنا من الذَّين أجرْمُوا ﴾ اى كذبوا ، آمن بعض وكذب بعض ، فانتقمنا من الذين اجرموا ، ورحمنا من آمن بالنصر دينا واخرى كما قال : ﴿ وكان حقا عَلينا نَصْر المُؤمنين ﴾ الرسل واتباعهم على المجرمين ، ويجوز ان يكون الذين اجرموا موضوعا موضع المضمر للوصف بالاجرام الموجب للانتقام ، على ان المراد المجموع لا الجميع ، لان فيهم من آمن ، وكأنه قيل فانتقمنا منهم ، وفى قوله : ﴿ وكان حقا ﴾ الخ تشريف للمؤمنين اذ كان اللفظ بصورة من له حق على الله حاشاه ، واشعار بان الانتقام من اجلهم ، اذ عبر بالنصر لهم على المجرمين ، لان النصر يتصور بين متقابلين .

قال ابو الدرداء : قال رسول الله صلى لله عليه وسلم : « ما امرئ مسلم يرد عن عرض اخيه الا كان حقا على الله ان يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا هذه الآية » رواه الطبرانى وغيره ، وقيل : المراد فى الاية النصر ، والاية تشمل المؤمنين بعد انبيائهم الى يوم القيامة ، ونصر اسم كان كما هو الظاهر ، وكما هو فى حديث ابى الدرداء لا كما قيل ان اسمها ضمير فيها عائد للانتقام ، وعلينا خبر مقدم ، ونصر مبتدا مؤخر ، لانه خلاف الظاهر ، واخر نصر لان الفاصلة تتم بتأخيره على طريق الاعتناء بالحقيقة .

٣٬٤٥٥ / ٦٬٢٣٦