تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة لقمان

الجزء لقمان · صفحة ٠
[سورة لقمان — آية 7]

﴿ ومِن النَّاس ﴾ من للتبعيض ، وجعل بعضهم من التبعيضية اسما مضافا لما بعدها ﴿ من يشترى لهَو الحَديث ليُضِلَّ ﴾ غيره ﴿ عَن سبيل اللهِ ﴾ اى دين الله ، اى يثبته فى الضلال ، سواء كان فيه من قبل ، او يجره اليه والعطف على ما قبل ، كأنه قيل من الناس مهتد هاد ، ومنهم ضال مضل ، واللام للتعليل لا للعاقبة ، ولهو الحديث ما اشغل عن عبادة الله تعالى من التحدث ليلا او نهارا بما ليس طاعة ، ولا لفائدة مباحة ، ومن الاضاحيك والخرافات والغناء ونحو ذلك ، والنميمة والغيبة اذا لهم بهما تكفها ، والكلام فى المسجد ، قال صلى الله عليه وسلم : « الكلام فى المسجد ، اى بغير ما لا بد منه ولا عبادة ، يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب اليابس » ويروى كما تأكل الدابة الحشيش .

وعن الضحاك لهو الحديث : الشرك ، وقيل السحر ، ولا يحسن هذان التفسيران ، والاخر ابعد ، والاشتراء الاختيار والاستبدال عن القرآن ، والذكر على سبيل الاستعارة ، وقيل الشراء حقيقة يشترى بماله عبدا يغنى له ، او امة آلة الغناء ، او يعطى الاجرة لمن يغنى ، اى يشترى آله لهو ، وهى الامة او البعد او المزمار ، ولا يمنع من كون الانسان آلة ، فصاحب الامة مثلا يتوصل بها الى حصول الغناء .

روى ان النضر بن الحارث مغنية ، وكل من اراد الاسلام اتاها به ، وقال : غنى له واطعميه واسقيه ، وقال له : هذا خير لك من الصلاة والصوم والقتال بين يدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان يسافر الى فارس فيشترى كتب اخبار العجم ، فيحدث بها قريشا ، ويقول : محمد يحدثكم عن عاد وثمود ، واذا احدثكم بحديث رستم واسفنديار ، والأكاسرة فيميلون اليه عن استماع القرآن ، واشترى ابن اخطل جارية تغنى بالسب ، فنزلت الاية فيهما وف امثالها ، والجمع فى اولئك لهم عذاب مهين مناسب لتلك الجماعة ، بل لا ينافى فى الافراد كالنضر وحده او كابن اخطل وحده ، لان الله تعالى يشير فى القرآن الى النوع ، ولو لم يكن فرد واحد منه ، وايضا لذلك الفرد جماعة تقبل قوله ، فهم مثله .

وفى مسند البيهقى ، عن ابن مسعود اذا ركب الرجل دابة ولم يسم ، ردفه شيطان فقال : تغنه ، وان لم يحسن قال : تمنه ، وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء اهو حرام؟ فقال : انظر يا اخى اذا ميز الله تعالى الحق والباطل فى ايهما يكون ، وعنه : « لعن الله المغنى والمغنى له » وفى مسند ابى داود ، عن ابن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء البقل » .

وروى ابن ابى الدنيا ، وابن مردويه ، عن ابى امامة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

« ما رفع احد صوته بغناء الا بعث الله اليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان باعقابهما على صدره حتى يمسك » وروى ابن ماجه ، والترمذى ، والطبرى ، والطبرانى ، عن ابى امامة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلمونهن ولا خير فى تجارة فيهن وثمنهن حرام » ومثله عن عائشة ، وفى رواية الاستماع اليهن حرام ، وما لا يجوز يحرم الاستماع اليه وعن ابن مسعود : « والله ان لو الحديث هو الغناء » قال ثلاثا ، وعن مكحول : من اشترى امة للغناء ومات لم اصل عليه وقد يجوز للانسان ان يغنى وحده لازالة الوحشة ، قال عمر : اذا خلونا قلنا ما يقول الناس وقد تغنى بقوله :

وكيف ثوائى بالمدينة بعد ما … قضى وطرا منها جميل بن معمر

وهذا لغيره : وقيل اراد به جميل الجمحى ، وكان خاصا به ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « ليس منا من لم يغتن بالقرآن » ومن معانى هذا : من لم يستغن بالقرآن عن غيره ﴿ بغَيْر عِلْمٍ ﴾ مع غير علم حال من الضمير فى يشتى ، او متعلق يشترى ، اى بغير علم بحال ما يشتريه انه لا ينفعه بل يضره ، او بغير علم بطريق التجر اذ باع نافعا بضر ، الهدى والضلال ، او متعلق بيضل ، اى جاهلا ان ما يدعو اليه رسول الله صلى عليه وسلم هو سبيل الله عز وجل ، او جاهلا انه يضل ، او جاهلا للحق ﴿ ويتخذها ﴾ اى السبيل عطف على يشترى ﴿ هُزوا ﴾ مهزوءا بها ، والسبيل يذكر ويؤنث ، ﴿ أولئكَ لَهُم عذابٌ مُهينٌ ﴾ لهم لأجل اتصافهم باهانة الحق ، وترغيب الناس فى خلافه ، وإشارة البعد لبعد مرتبتهم فى الضلال ، والجمع باعبتار معنى من بعد اعتبار لفظها بالافراد ، واعتبر لفظها فى قوله تعالى :

﴿ وإذا تُتْلى عليْه آياتنا ﴾ روعى لفظها ، ثم معناها ، ثم لفظها ، كقوله تعالى فى سورة الطلاق : ﴿ ومن يؤمن بالله ﴾ الخ ﴿ ولَّى ﴾ اعرض عنها ﴿ مسْتكبراً ﴾ متكبر جدا ﴿ كأن ﴾ اى كأنه ، اى ذلك المستكبر ، او كأنه اى الشأن ، وقيل جوز ان لا يقدر ضمير ﴿ لم يَسْمعها ﴾ جملة كأن لم يسمعها حال من المستتر فى ولى ، او فى مستكبرا ، او مستأنفة عاب الله عليه لِمَ لَمْ يتأثر بسماعها ، مع عظم شأنها فى التأثير ، او اراد مطلق التشبيه .

﴿ كأن فى أذنيه وقر ﴾ صمما مانعا من السمع ، وذلك حقيقة بالشيوع ، واصله الحل الثقيل ، او فسره بثقل السمع لا بانتفائه البتة ، والأول اولى ، لان كفرهم كلى ، والجملة حال بعد حال مما مر ، او حال من المستتر فى يسمع ، او مسأنفة لا يدل كل من كل من قوله : ﴿ كأن لم يسمعها ﴾ ولا عطف بيان له ، لان انتفاء السمع ليس هو ثبوت الصمم فى اذنيه ، بل لازمه ومسببه ، فيصبح ان يكون بدل اشتمال ، والجملتان على الترقى فى البعد عن القبول ، وشددت كأن فى الثانية للمناسبة لهذا الترقى ، ولمناسبة التشديد لثقل الوفر فى معناه ﴿ فبشره بعذابٍ أليمٍ ﴾ مفرط فى الايلام ، تبشيرا تهكميا .

٣٬٤٧٦ / ٦٬٢٣٦