تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأحزاب

الجزء الأحزاب · صفحة ٠
[سورة الأحزاب — آية 23]

﴿ من المُؤمنينَ ﴾ مطلقا لا الذين ذكر الله محاسنهم خاصة ، ونص بعض اصحابنا على انه لا يقال حكى الله من غيره بل ذكره الله ﴿ رجالٌ صَدقُوا ما عاهدوا الله عليْه ﴾ من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمقاتلة للاعداء ، وقيل : من الطاعات مطلقا ، فيدخل الثبات المذكور بالاولى ، قال انس : غاب عمى انس بن النضر عن بدر ، فشق ذلك عليه ، فقال : اول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ، لئن أرانى الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ليرين الله تعالى ما أصنع ، فشهد يوم احد ، فاستقبله سعد بن معاذ بن معاذ رضى الله عنه فقال : يا ابا عمرو اين قال : واها لريح الجنة اجدها دون احد فقاتل حتى قتل ، فوجد فى جسده بضع وثمانون من ضربة وطنعة ورمية ، وفيه وفى اصحابه نزلت الآية ، وهو فى الولاية للشهرة ، بانه صحابى لم يذكر عنه ما يختلف فيه ، ولانه كل من عرفه عرفه بخير ، ومن جهله جهله بالكلية ، ولا سيما انه مات قبل الفتنة .

والذى اقول به : من توقف من الصحابة فى شأن فتنتهم لا يبرأ منه ، بل يتولى لانه وقف من حيث انه لم يدرك الحق ، وليسوا يرجعون الى الوقوف اذا زل امام هم تحته ، اذ لا وجه لرجوع المتولى لذاته بزلة امامه ، وانما يرجع اليه من تولى تبعا له ، وكان قبل فى الوقوف ، وأيضا نص صلى الله عليه وسلم على ولايتهم ، فهى ولاية دائمة حتى يصدر منهم موجب البراءة ، لم يزل امامهم او زل ، وقيل : المراد بالاية اهل العقبة السبعون ، وقيل : بنو حارثة ، وما مفعول به جعل ما عاهدوا عليه كشخص معاهد على الاستعارة المكنية ، ورمز الى ذلك باثبات المصدوقية الذى هو تخييل ، وعلى الاسناد المجازى ، يقال صدقنى اى خبرنى بصدق ، او يقدر صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه ، او صدقوا فيما عاهدوا الخ ، ولم يكذبوا فيه .

﴿ فَمنهُم مَنْ قَضَى نَحْبه ﴾ ادى نذره اى فعله ووفى به ، شبه النذر بالموت لجامع وجوب الوقوع ، اى لزومه فى الذمة ، وذلك استعارة تصريحية ، والقرنية حالية ، وقضى ترشيح ، وقد شهر قضى نحبه فى معنى مات ، او قضاء النحب مستعار ، قال صلى الله عليه وسلم : « طلحة ممن قضى نحبه » رواه قومنا ، وجعلوه طلحة الذى عاش بعده صلى الله عليه وسلم ، وخلط وفسروا قضى النحب بالوفاء بالوعد ، لاخصوص الموت ، وقالوا ثبت يوم احد ، حتى قطعت يده ، كما فسر مجاهد قضاء النحب بالوفاء بالعهد ، ان يجاهدوا ولا يقر .

﴿ ومنُهُم مَن ينتَظر ﴾ اى ينتظر ان يموت على الوفاء بما عاهد عليه من الخير ، وقد علم الله انه يموت عليه ، فصدق عليه قوله عز وجل : ﴿ رجال صدقوا ﴾ او ينتظر حربا يجتهد فيها ويخلص ، وعلم الله تعالى انه سيفعل فصدق عليه رجال صدقوا ، وقيل المراد بالصدق مطابقة ما فى ألسنتهم لقلوبهم ، والمراد يصدقون فعبر بالماضى للتحقق .

﴿ وما بدَّلُوا ﴾ عهدكم كما بدل المنافقون ، والواو للقاضين ، والمنتظرين ، واجيز عوده للمنتظرين خاصة ، لان حالهم هى المحتاجة الى بيان انها صحت او لم تصح ﴿ تَبْديلاً ﴾ الجملة معطوفة على صدقوا ، ووجه التأكيد بتبديلا رجوعه الى النفى ، اى انتفى التبديل انتفاء بليغا ، وان شئت فالتوكيد تعريض بمن بدل تبديلا عظيما ، وهم هؤلاء المنافقون ، ولا مفهوم بان هؤلاء الصادقين بدلوا بعض تبديل .

٣٬٥٥٦ / ٦٬٢٣٦