سورة الأحزاب
الجزء الأحزاب · صفحة ٠﴿ ما كَان مُحمَّد ﴾ اذا كان الناس يقرءون القرآن وقرءوا لفظ محمد او لفظ وجب عليهم فى الاصح ان يصلوا عليه ، لان كل واحد قد سمعه من فيره ، والصلاة واجبة على من سمع ذكره ، وفيه أقوال ، وعلى كل حال يكفر من ينهى الناس عن الصلاة عليه فى سماعه من القارئ ، او يقول ليس بشرع ، ومعلوم ان الصلاة عليه حينئذ ليست من القرآن ، كما علم ان بلى بعد ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ ليس من القرآن ، وقد أمر به صلى الله عليه وسلم ، ومن الجهالة ان يسبقوا الداعى بالصلاة والسلام ويسمعون الاسم من الداعى بعد فراغهم ، فلا يصلون ولا يسلمون استغناء بالنفل عن الفرض ، لأنهما يفرضان عند ذكره ، ومن أنكر جواز الصلاة والسلام عليه عند سماعه فى القرآن فقد أشرك ، ويصلى ويسلم عليه بصوت دون صوت القرآن اذا سمعوه فى القرآن ، ولا يتوهم احد ان الصلاة والسلام عليه آية من القرآن ، ولو خيف التوهم أخبر انهما ليسا من القرآن .
﴿ أبا أحَدٍ مِن رجالكم ﴾ ذكر الرجال دون الابناء ، لان الكلام فى زوج زيد زينب وهو يومئذ رجل ، وايضا يلزم من نفى ان يكون أباً لرجل ان يكون ابا لطفل ، لان الطفولية عن الرجولية ، بخلاف الطفولية فلا يلزم عنها ان يكون رجلا ، لانه يمكن ان يموت قبل ان يكونه ، ولا حاجة الى جعل الرجل من اطلاق الخاص على العام الذى هو الابن ، ولا الى قول : ان الرجل من حين يولد ، وإنما ذلك فى مثل قوله تعالى : ﴿ وللرجال نصيب ﴾ ﴿ وإن كان رجل يورث ﴾ الخ ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « فلاولى رجل ذكر » والابوة المنفية شرعية ولغوية اصلية ، وهى بنوة الولادة او الرضاع ، وشهر انه لا بنوة بالرضاع فى اللغة ، ومعلوم ان زيد بن حارثة ، وانه لا مراضعة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبرهم الله عز وجل ان التبنى لا يعتبر فى النكاح ، ولا فى غيره ، ولا يثبت بنوة شرعية ، ولم يقل ابا احد من الرجال ، او ابا احد منكم ، لانهم يعدون زيداً منهم للمخالطة والسكنى .
واما اولاده صلى الله عليه وسلم فماتوا فى مكة قبل البلوغ ، كالقاسم رضى الله عنه ، وإبراهيم ولد فى المدينة بعد نزول الآية ، وهو صلى الله عليه وسلم اب ايضا لابنه البالغ ، لو كان فإنهم يعدونه من رجالهم ، ولا يبحث ببنوة الحسن والحسين له صلى الله عليه وسلم ، لانهما طفلان ، وللعلم بان أباهما على ، وقد علمت ان المنفى ابوة الولادة والرضاع ، فلا يشكل انه صلى الله عليه وسلم ابو المؤمنين من الآية ، نص عليه الشافعى وعلى وقرئ : وأزواجه أمهاتهم ، وهو أب لهم .
وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال لعلى : « انا وانت ابو هذه الامة » وذلك فى التعظيم والشفقة ، وكل نبى اب لأمته لذلك ، وإنما هو ابو الثلاثة بنين وأربع بنات ، اولهم القاسم وبه يكنى ، ثم زينب ، ثم عبدالله واسمه الطاهر ، ولد بعد نزول الوحى ، ولذا سمى طاهرا ، ثم ام كلثوم ، ثم فاطمة ، ثم رقية ولدتهم خديجة فى مكة ، ثم ابنه ابراهيم من سريته مارية القبطية ، وكلهم ماتوا قبله الا فاطمة فبعده بستة أشهر ، وكل نسائه ثيبات الا عائشة ، ويروى عن الشعبى ، عن ابى جحيفة ، عن على ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اذا كان يوم القيامة نادى مناد من وراء الحجاب يقول غضوا ابصاركم عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمر الى الجنة » .
﴿ ولكن رسُول الله ﴾ لكن كان رسول الله ، قال هذا ليكون قد اثبت ما نفوه ، ونفى ما أثبتوه ، وكأنه قيل لكن ثبتت له الرسالة التى هى كالأبوة الحقيقة فى تعظيم المؤمنين له ، وفى شفقته ونفعه لهم ﴿ وخاتَم النَّبييَّن ﴾ اكد به الرسالة المتضمنة للابوة التعظيمية والشفقية ، لطول ما بينه وبين يوم القيامة ، فذلك طول للأبوة المذكورة بخلاف ابوة الانبياء قبله ، فدون تلم المدة ايضاً ، وقد يتكلم فى الزيادة عما هم عليه من تلك الشفعة على من يأتى بعدهم من الانبياء ، لعلهم بأنهم يأتون بعدهم ، وأما عيسى صلى الله عليه وسلم ، فإذا نزل شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، يلهمه الله إياها ، او عمله اياها صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء ، او فى غيرها ، كما روى انه يسلم على عيسى فى الطواف ، ومن شريعته اذا نزل عيسى ان لا تقبل الجزية ، بل الايمان او القتل .
قال صلى الله عليه وسلم : « إن مثلى ومثل الانبياء من قبلى كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه واجمله الا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون ويتعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا الخاتم للنبوة جئت فتممت الانبياء » قال صلى الله عليه وسلم : « انا محمد وانا احمد وانا الماحى الذى يمحوا الله به الكفر وانا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى وانا العاقب اى الذي ليس بعدى نبى » ويروى « انا محمد وانا احمد وانا المقفى وانا الماحى ونبى التوبة ونبى الرحمة » والمقفى المجعول آخراً .
﴿ وكان الله بكلِّ شئ عليماً ﴾ من ذلك علمه بحكمة كونه خاتم النبيين ، واذا نزل عيسى عمل بسنته ، وحج وتزوج ، فهو من امته الا انه لا يقبل الجزية عن اهل الكتاب والمجوس ، بل ان لم يؤمنوا قتلهم ، وهذا دين سيدنا محمد اذا نزل عيسى ، ويصلى الى الكعبة .