تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة سبأ

الجزء سبأ · صفحة ٠
[سورة سبأ — آية 3]

﴿ وقال الَّذين كفروا لا تأتينا معشر الخلق السَّاعة ﴾ يوم القيامة ، وأردوا بنفى إيتانها نفى أن توجد بعد ، وعدم الوجود موجب لعدم الاتيان ، ففى ذلك تعبير بالمسبب واللازم ، عن السبب والملزوم ، واختاروا هذا مقابلة لقول من قال تأتى ، وقيل : استبطاء لاتيانها على طريق الهزء ، وهو ضعيف لأنه لم يقل : ألا تأتينا الآن بالاستفهام كما فى ﴿ متى هذا الوعد ﴾ ويجوز توجيهه بأنه كما يرجو الانسان شيئا ، ويقول على طريق الضجر لا يأتى ، وهم بهذه الصورة على طريق الهزء والعطف عطف قصة على أخرى .

﴿ قُل ﴾ لهم رداً عليهم ﴿ بلى ﴾ أى ليست لا تأتى ، وأكد هذا بقوله : ﴿ وربِّى لتأتينَّكُم ﴾ ذكر الرب بالاضافة للاشارة الى الانتصار بمن هو ربه تعالى ينصره على من خالفه فى قوله : لا ، للاشارة الى أن إيتانها من شأن الربوبية ، والقسم بمربيه تشديد للقسم ﴿ عالم الغَيْب ﴾ هو عالم الغيب ، أو مبتدأ خبره قوله : ﴿ لا يعْزب عنْه مثْقال ذرَّة فى السَّموات ولا فى الأرض ﴾ وذكر علم الغيب تأكيدا لقوله : ﴿ يعلم ما يلج ﴾ إلخ وأجزاء الميت المتفرقة لا تخفى ، فكيف لا يقدر على بعثه مع قدرته على الخلق من العدم ، والقرآن والأحاديث كالنصوص فى رد ما فنى البتة حتى كان لا وجود له فنقلدهما فى ذلك والمفهوم رد الموجود ، وقد صرح الحديث والآثار برد الشعور والجلود وغيرها من الأجزاء من أول خلقة الانس الى موته ، حتى قيل : ترد الأعراض والأزمنة مع الأجسام أيضا .

وفى ذكر عالم الغيب مناسبة لكون إيتانها من الغيب الذى اختص الله به عز وجل ، وهم عالمون أنه صلى الله عليه سولم صادق فى الجملة ، متنزه عن الكذب ، وانما كذبوه عنادا وتكبرا عن أن تبعوه ، وأمره الله عزوجل باليمين مجاراة على ظاهر إنكارهم ، وإلا فالمناسب إذ علموا ذلك أن لا يقسم لهم ، لكن أقسم لأنم لم يجزموا فى نفس البعث بأنه صادق فيه ، والمناسب للمنكر أن يجاب بالقسم ونحوه من التأكيد إلا لغرض آخر ، مثل أن تيأس منه فترد كلامه بلا تأكيد كأنك تقول هذا ثابت لا يحتاج الى تأكيد صدقت أو كذبت ، ولا يعزب لا يبعد ، ومن شأن البعيد أن يغيب ، فالمعنى لا يغيب عن علمه مثقال ذرة ، وهو ما يوازن الدقيقة الواحدة التى ترى فى الشمس من كوة ، أو نملة صغيرة فى الثقل ، وقوله : ﴿ فى السموات ولا فى الأرض ﴾ نعت لذرة ، والمراد بالأرض فى هذه المواضع ونحوها الأرضون ، ولو لم أنبه عليه فى كل موضع ما لم يدل دليل على هذه الأرض .

﴿ ولا أصْغَر من ذلك ﴾ المثقال ﴿ ولا أكبر ﴾ منه ، وأكبرية الذرة نسبية ، فان الذرة مثلا أكبر مما على عشرها أو أقل أكثر ، وأصغر مبتدأ خبره فى قوله : ﴿ إلا فى كتاب مُبِين ﴾ اللوح المحفوظ ، أو الضبط ، وكونهما فى اللوح المحفوظ موجب لكونهما معلومين لله تعالى ، ويدل لذلك قراءة أخرى لنافع بفتح الراءين ، على أن لا عاملة إن وخبرها فى كتاب ، ويجوز عطف أكبر وأصغر على مثقال بالرفع ، وعطفهما مع فتح الراءين على ذرة ، وعلى هذين الوجهين فى يكون الاستثناء منقطعا ، والتقدير : لكن ما ذكر ثابت فى اللوح المحفوظ .

٣٬٦٠٩ / ٦٬٢٣٦