سورة يس
الجزء يس · صفحة ٠﴿ واضْربْ لَهُم مثلا أصْحاب القَريْة ﴾ عطف قصة على أخرى ، وإنشاء على إخبار ، أو على محذوف بلا فاء أى أنذرهم ، واضرب لهم مثلا ، وأصحاب مفعول أول ، ومثلا مفعول ثان ، أى اجعل أصحاب القرية مثلا لهؤلاء فى الإصرار على التكذيب ، وضرب المثل تطبيق حال غريبة بحال مثلها فى الغرابة ، كقوله تعالى : ﴿ ضرب الله مثلا للذين كفروا ﴾ الخ ، وقد يستعمل ضرب المثل بمعنى ذكر أمر غريب ولو بلا تطبيق بالآخر ، أى واذكر لهم قصة غريبة كالمثل ، والتقدير : واضرب هلم مثلا مثل أصحاب القرية ، وأصحاب بدل من مثلا على حذف مضاف كما رأيت ، ومن القسم الأول ما شبه مضربه بمورده نحو : الصيف ضعيف اللبن ، والقرية أنطاكية .
﴿ إذْ جاءها المُرسلون ﴾ بدل اشتمال من أصحاب ، وليس ظرفا والمعنى واضرب هلم نفس وقت مجىء المرسلين إليها ، أو ظرف لبدل اشتمال محذوف من قرية ، والرابط ها فى جاءها ، أى الحادث أو الواقع ﴿ إذ جاءها المرسلون ﴾ أو بدل كل من أصحاب بتقدير قصة أصحاب القرية ، وها عائد إلى القرية ، ولم يقل جاءهم برد الضمير الى أصحاب ، إيذانا بأن المرسلين جاءوا أصحاب القرية ، وأصحاب القرية فى القرية ، ولم يلقوها خارجا ، ويجوز رد الضمير الى الأصحاب بتأويل الجماعة ، فيتبادر أنهم جاءوهم وهم فيها كذلك ، والمرسلون هم الحواريون ، أرسلهم عيسى حين أراد الله له الرفع الى السماء ، وإنما أسند الله الإرسال إليه تعالى فى قوله تعالى :
﴿ إذْ أرْسَلنا إليْهم اثْنَين ﴾ لأنه هو الذى أمر عيسى عليه السلام بإرسالهم ، وقال ابن عباس ، وكعب : المرسلون أنبياء الله ، أرسلهم إليها تقوية لعيسى عليه السلام بنصره ، وتصديقه فيما يقول ، قبل رفعه الى السماء ، كما أرسل هارون تقوية ونصرة لموسى عليهما السلام ، ويدل له قولهم : ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ فإ ، ه رد على من قال : إنا رسل من الله تعالى ، لا على من لم يقل ذلك مثل الحواريين ، وهو الظاهر من قوله عز وجل : « إذ أرسلنا إليهم اثنين » ويدل له أيضا ظهور المعجزة على أيديهم كإبراء الأكمه ، وإحياء الموتى كما فى بعض الآثار .
روى أن الاثنين أخذا بندقتين من طين ، فجعلاهما فى موضع العينين من صبى ممسوح كالجبهة ، فصارتا له عينين يبصر بهما ، وأن ابن دهقان مات منذ سبعة أيام أخر الملك دفنه حتى يجىء أبوه من سفر ، فطلب الملك منهما أن يحيياه فأحيياه بإذن الله تعالى ، وقالا : هل تفعل ذلك ألهتك؟ فقال : لا فآمن هو وقوم من رعيته ، ومن لم يؤمن مات بصيحة جبريل ، وقيل : كفر وعزم على قتلهما وقتل الثالث ، ولما حيى ابن الدهقان قال لهم : أحذركم من الإشراك ، فإنى أدخلت فى سبعة أودية من النار ، وذلك مختص بالأنبياء أصالة وغالبا ، إلا أنه قد يحتمل أنه كرامة لغير الأنبياء لا معجزة ، إذ لم يدعوا الرسالة ، وأنهم فهموا أنهم مبلغون عن الله تعالى ، وفهموا أنهم يدعون الرسالة من الله تعالى فنفوها عنهم ، وهم لم يدعوها ، وإنما بلغوا عن عيسى عليه السلام .
أو لما كان مرسلهم مدعى الرسالة عاملوهم معاملة مدعيها بنفيها عنهم قصداً الى نفيها عنه ، والاثنان : يوحنا وبولس ، أو ثومان و بولس ، أو شمعون ويوحنا ، أو صادق وصدوق ، أو نازوص وماروص ، وأما قوله جل وعلا : ﴿ فكذَّبُوهُما ﴾ فتابع لقوله : « إليهم » بخلاف المجىء ، فانه لا يختص بأن يكون الى العاقل ، وأصحاب تلك القرية يعبدون الأصنام .
﴿ فَعزَّزْنا ﴾ أى عززناهما أى صيرناهما عزيزين قويين ﴿ بثَالثٍ ﴾ شمعون الصفا ، أو سمعان ، أو شلوم ، أو بولص بالصاد أو بالسين ، لما سجنا وجلدا مائتى جلدة ، أتى هذا الثالث حتى توصل إلى الملك وأنس به ، وكان يعبد الله تعالى بحضرة الصنم ، فظن الملك أنه يعبد الصنم ، فكلم الملك فيهما فيقال : حال الغضب بينى وبينهما فالآن أحضرهما ، فقالا : إنا نعبد إلهاً قادرا لا صنما عاجزا عن إحياء ما مات ، فصدقهما الثالث .
﴿ فقالُوا ﴾ الاثنان والثالث ، والعطف على عززنا أو على كذبوا ﴿ إنَّا إِليْكُم مُرْسلون ﴾ قائله واحد ، والاثنان معه ، والسكوت رضاً وقبول ونصرة ، ولا سيما أنه قد حضروا ممعاً ، وهكذا قاعدة تكلم الجماعة أنه ليس يتكلم كل واحد ، بل واحد مع اتفاق الباقين ، وكذا فى قوله تعالى :
﴿ قالوا ﴾ أى أصحاب القرية للثلاثة ﴿ ما أنتُم إلا بشَرٌ مثْلنا ﴾ لا مزية لكم تختصوب لأجلها بالرسالة من الله تعالى ، أو بالمجىء بما جئتم ﴿ وما أنزْل الرَّحْمن ﴾ على أحد ﴿ من شىءٍ ﴾ تدعوننا إليه ، فهم مقرون بالله ، وسموه الرحمن إشارة الى انه عظيم الرحمة وكثيرها ، لا يحتاج الى عبادتنا ، ولا تضره أفعالنا ، فهم يرحم من لا يعبده ومن يعبده ، وإنما نعبد ما نعبد من الأصنام لتعيننا على مصالحنا ، وهى محتاجة ، ولذكرهم الرحمن علمنا أنه لم يصح ما قيل أنهم قالوا لا نعرف إلها ً غير أصنامنا ، وعلى صحته فالمعنى لا نعرف إلهاً يحتاج للعبادة ، والرحمن موجود لا يحتاج إليها ، ويبعد ما قيل : إن لفظ الرحمن من كلام الله لا من كلامهم ، وإن المعنى ما أنزل الذى تدعون وجوده شيئا ، وأنه ذكر لفظ الرحمن لحلمه وجلبهم إليه ، وصرحوا بمضمون قولهم : ﴿ ما أنتم ﴾ إلى ﴿ من شىء ﴾ فى قولهم : ﴿ إنْ أنتُم إلا تكْذِبُون ﴾ ولم يقل كاذبون للدلالة على تجدد الكذب واستمراره .