سورة غافر
الجزء غافر · صفحة ٠﴿ لا جَرَم أنَّ ما تَدعوننى إليه لَيسَ لهُ جعْوَةٌ فى الدُّنيا ولا فى الآخِرة ﴾ لا عند البصريين نافية لما قبلها ، أى لا يثبت ما ذكر من الاشراك ، أولا يحق ، وجرم بمعنى ثبت وحق ، وأن وما بعدها فى تأويل مصدر فاعل جرم أى ثبت انتفاء ثبوت دعوة فى الدنيا والآخرة لما تدعوننى اليه ، ومن حق المعبود بالحق أن يدعو الانبياء الى عبادته ، وأن يأمروا غيرهم بها ، والأصنام لا تدعو الى ذلك . لأنها جماد ، وذلك فى الدنيا ، وأما فى الآخرة فتحضر الأصنام ولا ترضى بذلك ، وتتبرأ منه ، أو جرم بمعنى كسب ، وفاعله ضمير الدعاء ، وأن ما تدعوننى الخ مفعول به فى التأويل ، أى كسب دعائكم إياى الى آلهتكم انتفاء دعوة لها أى ما حصل الا ظهور عدم دعوتها ، ولا عائدة لما قبل كما مرّ .
وقيل : لا لما بعد ، وجرم اسم لا فعل وهو اسم للا عاملة عمل إن ، ومعناه القطع ، والخبر أن وما بعدها فى التأويل ، أى لا قطع لانتفاء ثبوت دعوة لما تدعوننى اليه من ألوهية الأصنام ، أى لا ينقطع بطلانه فمعناه لا بد من بطلان دعوة الأصنام ، ونسبة الدعوة باللام من له ذلك الى الفاعل ، ويجوز أن تكون الى المفعول ، لأن الكفار يدعون آلهتهم فنفى فى الآية دعائهم أياها على معنى نفى إجابتها لدعائهم إياها ، أى ما تدعوننى اليه من الأصنام ليس له استجابة دعوة لمن يدعوه بأن سمى الاستجابة بالدعوة ، لأن الدعوة سببها كما سمى الفعل المجازى عليه بالجزاء فى : كما تدين تدان ، وان عاقبتم فعاقبوا الخ ، أو ليس له دعوة مستجابة ، أى يدعى دعاء يستجيبه لداعيه لأنه لا يتكلم أو الاصنام لا تدعو الى عبادتها ، لا تدعى الربوبية والإله يدعو الى عبادته ويقول أنا الرب .
﴿ وأنَّ مَردَّنا ﴾ مصدر ميميى بمعنى ردنا ﴿ إلى الله ﴾ وفى الاخبار بالى الله تقوية الاخبار بعن معاصى الله ، وتعالى طاعة الله فى لا حول عن معاصى الله ، إلا بعصمة من الله ، ولا قوة على طاعة الله ، إلا بعون من الله ، وإن نونت حولا وقوة بالنصب علقت بهما لاظرفين ، وقيل يجوز تعليقهما بذلك ، ولو لم ينون تشبيها بالمضاف الذى لا ينون ﴿ وأنَّ المُسْرِفين هم أصحاب النار ﴾ فسر ابن مسعود رضى اللهعنه المسرفين بالسفاكين للدماء ، فيكون الرجل المؤمن ختم كلامه بما بدأ به إذ قال : ﴿ أتقتلون رجلا ﴾ إلا أن الختم تعريض ، إذ لم يقل : وإن السفَّاكين للدماء هم أصحاب النار ، والبدء تصريح ، وعن قتادة : هم المشركون ، لأن الأشراك إسراف فى لاضلال ، وقال عكرمة : الجبارون المتكبرون ، وقيل : كل من غلب شره خيره ، فهو مسرف مشرك ، أو موحد وهو أولى .