تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة فصلت

الجزء فصلت · صفحة ٠
[سورة فصلت — آية 5]

﴿ وقالُوا ﴾ حين دعاهم الى التوحيد ﴿ قلُوبُنا فى أكنَّةٍ ﴾ أغطية عظيمة لا ينفذها بصر ، ولا شىء ، ولا يخرقها ، والمفرد غطاء بالكسر ، وعن مجاهد هى جعاب النبل ، وهو غطاء أيضا للنبل ، وذلك استعارة عن القسوة العظيمة ، ووزنه أفعلة نقلت كسرة النون الأولى الى الكاف الساكنة ، وأدغمت فى النون بعدها ﴿ ممَّا تدْعُونا إليْه ﴾ من الايمان بالله وحده ، واتباع سائر ما يوحى ، ومن للابتداء كقولك : رأيته من ذلك الجبل ، تريد تحصلت لى رؤيته من الجبل الذى هو فيه ، وأنا فى غيره ، أو بمعنى عن ، وعلى كل حال تتعلق بأكنة ﴿ وفى آذاننا وَقْر ﴾ ثقل سمع لا نسمع الأصوات ، وذلك استعارة عن الاعراض التام بالقلوب .

﴿ ومِنْ بَيْننا وبيْنِك حجاب ﴾ عظيم يمنعنا من التواصل يستوعب القسمة ، لأن من للابتداء من جانب كل ، فينتهى كل الى الآخر ، ولو لم يذكر قوله : ﴿ وبينك ﴾ وغلب التكلم على الخطاب ، فكيف وقد ذكره ، ولو لم يذكر من احتمل الاستيعاب وعدمه ، ولو ذكر قوله : ﴿ وبينك ﴾ بالغوا فى إقناط رسول الله صلى الله عليه وسلم من ايمانهم بثلاث جمل تمثيليات ، سدوا محل المعرفة وهو القلب ، وما يوصل اليه المعرفة ، وهو السمع والبصر الممنوع بالحجاب ، والحجاب مستعار للقسوة ، أو الامتناع الشديد ، والكلام كفايات متعددة بدون استشعار تشبيه ، أو استعارات مفردات أو استعارة تمثيلية ، وكذا تجوز فى الجملتين قبل ، وفى قوله : « قلوبنا فى أكنة » استعلاء الأكنة على القلوب ، لأن الغطاء مستعل على ما غطى به ، فهو موافق لقوله تعالى : ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ فى الاسراء والكهف وكانت بعلى لأن الاسناد فيهما الى الله عز وجل ، فناسب الاستعلاء اذ قال : ﴿ جعلنا ﴾ وهنا حكاية كلامهم فكان بفى ، وزادوه اقناطا بما ذكر الله عنهم فى قوله عز وجل : ﴿ فاعْمَل ﴾ على دينك ﴿ إنَّنا عامِلونَ ﴾ على ديننا ، أو اعمل جهدك فى كيدنا بابطال ديننا ، إنا عاملون كذلك فى إبطال دينك ، وفى هذا المعنى أيضا اقناط ، الا أن فى الأول متاركة ، وفى هذا مجاهرة فى العناد .

والمقصود بالذات أنا عاملون وأما فاعمل فتوطئة له ، قال عمر رضى الله عنه : أقبلت قريش الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما يمنعكم من الاسلام فتسودوا العرب فقالوا : يا محمد ما نفقه ما تقول ، ولا نسمعه ، وأن على قلوبنا لغلفا فأخذ أبو جهل لعنه الله ثوبا فمده بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أى كالستر فقال : يا محمد قلوبنا فى أكنة مما تدعونا اليه ، وفى آذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب ، ولما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلا الى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد أعرض علينا الاسلام ، فلما عرض عليهم الاسلام أسلموا عن آخرهم فتبسم النبى صلى الله عليه وسلم وقال : « الحمد لله بالأمس تزعمون أن على قلوبكم غلفاً وقلوبكم فى أكنة مما أدعوكم اليه ، وفى أذانكم وقرأ وأصبحتم اليوم مسلمين » فقالوا : يا رسول الله بالأمس ، لو كان كذلك ما اهتدينا أبدا ، ولكن الله تعالى الصادق ، والعباد الكاذبون عليه وهو الغنى ، ونحن الفقراء اليه ، ولعل الحديث لم يثبت الا ان ارتدوا بعد .

٤٬٢٢٣ / ٦٬٢٣٦