سورة فصلت
الجزء فصلت · صفحة ٠﴿ فقضاهُنَّ سَبْع سَمَواتٍ ﴾ أى صيرهن سبع سموات ، والهاء للسماء ، وضمير الجمع باعتبار الخبر وهو المفعول الثانى ، كما يؤنث المبتدأ المذكر لتأنيث الخبر ، وقيل باعتبار أن السماء سبع ، وأنه اسم جمع ، وفيه أنه مثل قولك صير سبع سموات سبع سموات ، فيكون تحصيل الحاصل ، ولا يسيغه قوله تعالى :
﴿ فى يْوميْن ﴾ لأن سبع سموات لا تنقلب سبع سموات لحظة ، ولا أقل ولا أكثر ، وقد قال الله تعالى : ﴿ السماء الدنيا ﴾ فلو كان اسم جمع لم يقل ذلك ، فان المراد الأولى الواحدة ، اذ وصفها بالدنيا ، وقيل : قضى بمعنى فصل ، والكلام فيه كما مر ، الا أن سبع فيه حال مقدرة أو بدل من الهاء ، أو مفعول به ، أى قضى منهن سبع سموات ، فحذف من ، وقيل : تمييز للهاء ، وأن الهاء لمبهم مشعر تالتمييز بعده ، كقولك : ربهن نساء ، وربهم رجالا ، وربه رجلا ، وقيل : ليس فى الآية ترتيب بين ايجاد الأرض وايجاد السماء ، وانما الترتيب بين التقدرين ايجاد الأرض ، وقدير ايجاد السماء ، وأكثر المفسدين على قدم ايجاد الأرض على ايجاد السماء ، حملا للخلق ، وام عطف عليه من الأفعال الثلاثة على معانيها الظاهرة لا على معنى الحكم والتقدير والقضاء الأزلى ، وما يلزم على حملها على ظاهرها من خلاف الظاهر ، يدفع بجعل الترتيب اخباريا .
وما صح ابقاؤه على ترتيب الحدوث حمل عليه ، كقوله : ﴿ ثم استوى الى السماء ﴾ فالسماء بعد الأرض ، لا يغايره قوله تعالى : ﴿ خلق لكم ما فى الأرض جميعا ثم استوى ﴾ الخ لأنه فى خلق ما فيها لا فى ايجادها ، وأما قوله تعالى : ﴿ أأنتم أشد خلقا ﴾ الى قوله عز وجل : ﴿ ولأنعامكم ﴾ فالمقدم فيه خلق السماء وأحوالها على دحو الأرض لا على خلق الأرض ، أى دحا الأرض بعد ذلك دحاها ، أو اذكر الأرض دحاها الخ أو تدبر الأرض ، قال ابن عباس : خلق الأرض فى يومين قبل اسماء ، وكانت السماء دخانا ، فسواها سبع سموات فى يومين بعد خلق الأرض ، وجعل الجبال فى الأرض بعد خلق السماء ، وقد مر لك أن : فقضاهن « فى نية التقديم على ﴿ وجعل فيها رواسى ﴾ والفاء لترتيب الذكر ، قال صلى الله عليه وسلم : » خلق الله الأرض يوم الأحد والأثنين ، وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء ، وخلق يوم الأربعاء الماء والشجر ، والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة أيام فقال تعالى : ﴿ أئنكم لتكفرون ﴾ وقرأ الآية الى قوله تعالى : ﴿ فى أربعة أيام سواء للسائلين ﴾ وخلق يوم الخميس السماء ، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة « وظاهره خلق ما فى الأرض فى هذا الحديث قبل خلق السماء ، بمعنى التقدير والتدبير ، وخلق المادة لا الايجاد ، الا ترى أنه ذكر العمران والخراب ، ولا وجود لهما حينئذ فما ذلك الا التقدير .
وعن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خلق الله تعالى التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فهيا الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق ، فى آخر ساعة » وذلك تقدير لا إيجاد ، والحديث ظاهر فى أن أول الأسبوع يوم السبت ، وهو الظاهر ، وعليه الجمهور ، ويروى عن ابن عباس : أن أوله الأحد ، وروى الطبرى ، عن أبى بكر عنه صلى الله عليه وسلم : « خلق الله الأرض يوم الأ؛د والاثنين ، وخلق الجبال يوم الثلاثاء ، وخلق المدائن والأقوات والأنهار والعمران والخراب يوم الأربعاء ، وخلق السَّموات والملائكة يوم الخميس الى ثلاث ساعات أى من يوم الجمعة ، وخلق فى أول ساعة الآجال ، وفى الثانية الآفة ، وفى الثالثة آدم واليهود لعنهم الله » على أن أول الأسبوع الأحد احتجاجا بما يدعون أنه فى التوراة ، وبظاهر الأسماء ، وللعرب أسماء أخر : أو وأهون ، وجبار ودبار ، ومؤنس وعروبة وشبار .
وقال مقاتل وجماعة : خلق السماء قبل الأرض ودحوها وأولوا آية تقدم الأرض بتقعدمها حكما وقضاء بأن نستوجد كقوله تعال : ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ الخ ، وكذا فى ﴿ بارك ﴾ وما بعده ، أو يأول خلق الأرض فيها بالإإرادة ، وثم للتفاوت الرتبى ، ويقال : المقام هنا وفى سورة البقرة مقام تعدد النعم والامتنان ، فقدم ما هو أقرب النعم الى المخاطبين ، والمقام فى النازعات لبيان كمال القدرة بقدم ما هو أدل على كمالها ، ويتم هذا الكلام بجعل الترتيب ذكريا أو لتراخى الرتبة ، والايجاد والتقدير .
والظاهر أن ما هنا احتجاج لا امتنان ، وعن الحسن أن الله تبارك وتعالى خلق الأرض فى موضع بيت المقدس كهيئة الفهر ، عليها دخان ملتزق بها ثم ، أصعد الدخان ، وخلق منه السموات وبسط الفهر أرضا وأن ذلك قوله تعالى : ﴿ ففتقناهما ﴾ وذكر بعض أن كون السماء دخانا سابق على خلق الأرض ودحوها وهو ظاهر قوله : ﴿ ثم استوى الى السماء وهى دخان ﴾ على أن ثم للترتيب الذكرى ، وخلق الجوهرة ودوبها قبل السموات والأرض ، وذكر بعض أن خلق المواد للسماء والأرض فى زمان واحد ، وهى الجوهرة مثلا ، والتفاصيل وخلق السموات والأرض بعد قال الله عز وجل : ﴿ ولقد خلقنا السموات والأرض ما بينهما فى السموات والأرض ومابينهما فى ستة أيام وما مسّضنا من لغوب ﴾ وآية السورة قيل : تدل على أن خلقهما فى ثمانية أيام ، وذلك فى التقدير ، كما قال : ﴿ خلق كل شىء فقدره تقديرا ﴾ والتفاصيل والمراد والنيرات ، وجعل كل فى موضعه ، والهواء بين كل واحدة والأخرى ، وأن الأيام الأربعه لجعل الرواسى ، وتقدير الأقوات ليست من تلك الستة ، وكذلك اليومان خارجان عنها ، وروى : أن الله خلق فى يوم الأحد والاثنين الأرضين ، ويوم الثلاثاء أقواتها ، ويوم الأربعا والخميس السموات ، ويوم الجمعة أقواتها .
﴿ وأوحَى فى كل سماءٍ أمْرها ﴾ ما اقتضت الحكمة أن يكون فيها ، كوجود الملائكة والنيرات ، والايحاء بمعنى التكوين ، أو الايحاء الى أهلها بما يكلفون به ، والعطف على قضى ﴿ وزينا السَّماء الدنيا بمصابيح ﴾ النجوم مستوية أو بعضها منخفض وبعضها مرتفع ، أو بعضها فيها ، وبعضها فيما فوقها ، وقيل : تحتها زينت بها ﴿ وحِفْظاً ﴾ مفعول مطلق لمحذوف معطوف على زينا أى وحفظناها أى السماء ، وقيلأو المصابيح حفظا من الآفات والشياطين المسترقة ﴿ ذَلك ﴾ ما ذكر كله ﴿ تَقْدير العَزيز العَليم ﴾ عظيم العلم وكثيره ، وهو علم لا يتناهى .