سورة الشورى
الجزء الشورى · صفحة ٠﴿ تكَادُ السَّموات يتفطَّرن ﴾ يتشقفن من عظمة شأن الله تعالى ، أو من ادعاء الشريك والولد ، ويدل له ما فى سورة مريم ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه ﴾ ويناسبه قوله تعالى : ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ﴾ وأما قوله تعالى : ﴿ ألا إن الله هو الغفور الرحيم ﴾ فلا يدل على أن المراد التفطر بدعاء الولد والشريك ، من حيث إنه كلام يستوجب العذاب عاجلا ، فأخر عنهم لأنه غفور رحيم ، لأنا نقول ذلك صورة تستدعى الاجتراء على ادعاء الولد والشريك بلا توبة ، لأنه لم يذكر التوبة ، ولو قيل لك : فلان يشرك بالله ، فقلت : الله غفور رحيم ، لم يحسن جوابك ، لأنك لم تذكر التوبة ، لا ذكرها القائل .
وعلى التفسير بادعاء الولد والشريك تكون الآية تنزيها بعد إثبات المالكية والعظمة ، ويبحث بأن المقام لبيان عظمة الله عز وجل ، والتنزيه ، ولو دل على العظمة ليس مصرحا به ، وانما هو فى ضمن متعلق يتفطرن ، وانما لم يقل تتفطرن بتاء التأنيث والغيبة ، لأن العرب لا تجمع بين علامتى تأنيث فى كلمة ، أو ما هو كالكلمة الواحدة ، ويتفطرن كالكلمة الواحدة مثل : يتربصن ، ويرضعن إلا قليلا ، كما قرىء تتفطرن بتاءين ، وتنفطرن بالتاء والنون ، وأما قامت الهندات فليست فيه داخلتين على كلمة ، ولا على ما كالكلمة الواحدة .
﴿ مِنْ فوقِهنَّ ﴾ من سطحهن الأعلى ، لأنه المقابل لعظمة العرش والكرسى والملائكة ، وهم أعبد من المؤمنين ، وأبعد عن المعاصى ، ولاعتبار ذلك لم يقل : من تحتهن ، مع أنه سبب التفطر من تحت ، وهو العصيان ، أو للمبالغة بحيث بدأ التشقق من فوق ، أو المراد يتشققن من فوقهن ، فكيف من تحتهن ، ومن للابتداء يبتدئن التفطر من أعلاهن أو من جهة الفوق ، فمن سببية لأن العرش والكرسى سبب ، وغذا تفطرن من فوقهن بذلك ، فأولى أن يتفطرن من تحتهن ، لما تحتهن من ادعاء الولد والشريك ، ويبعد أن الهاء للأرضين المعبر عنهن بالأرض ، على أن يراد بها الجنس ، لأنه خلاف الظاهر ، ولأن الفوقية على هذه الأرض فوقيه على ما تحتها ، ولا داعى الى اعتبارهن هنا ، ويبعد كونها لجماعة الكفار ، أى يتفطرن لكلامهم الباطل ، لأن ذلك خلاف الظاهر ، ولأنه لم يجر لهم ذكر .
﴿ والملائكة ﴾ مبتدأ خبره ما بعده ، أو معطوف على نون يتفطرن وما بعده حال ، والأول أولى ، لأن الثانى يئول الى قولك : يكاد السموات تنفطر الملائكة ﴿ يسبِّحونَ ﴾ ينزهون الله عما لا يليق به ، وقيل : يصلون ﴿ بحمْد ربِّهم ﴾ كلهم ، وقيل : المراد هنا حملة العرش ﴿ ويسْتغفِرونَ ﴾ يطلبون مغفرة الذنوب ، وقيل : يشفعون ﴿ لمَن فى الأرض ﴾ من المؤمنين ، كما قال الله عز وجل : ﴿ ويسْتغفرون الذين آمنوا ﴾ الى ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ الخ ، وقيل : لمن فى الأرض كلهم بمعنى يدعون لهم بالهداية ، ويسعون فى اسباب المغفرة كالإلهام والاعانة فى بعض أمور المعاش ، وسؤال الرزق لهم ، ودفع العوائق ، وطلب تأخير العقاب ، ليؤمن المشرك ، ويتوب الفاسق ، أو يسعون فيما يدفع الحال فيشمل الحيوان ﴿ ألا إنَّ الله هُو الغَفُور الرَّحيمُ ﴾ لا مكلف إلا وله حظ عظيم من المغفرة والرحمة ، فضيعه من ضيعه بالاصرار ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ لا يتعاظمه ذنب التائب ، فقد استجيب دعاء الملائكة .