سورة الشورى
الجزء الشورى · صفحة ٠﴿ لهُ مَقاليد ﴾ مفاتيح ﴿ لاسموات والأرض يبْسطُ الرِّزق لمنْ يشاءُ ﴾ له البسط ﴿ ويقدر ﴾ بضيقه عمن يشاء التضييق عنه ﴿ إنَّه بكلٍّ شىءٍ عليمٌ ﴾ فأفعاله كلها حكمة ، وهذا تعليل لما قبله من البسط والقدر ، لأنه بكل الخ وتمهيد لقوله :
﴿ شرَع لَكُم منَ للدِّين ما وصَّى به نُوحا والَّذى أوحَينا إليك وما وصَّيْنا به إبراهيِيم ومُوسَى وعِيسَى ﴾ فان شرعه ذلك من كمال علمه وحكمه ، وخص هؤلاء بالذكر لشهرتهم لعل الكفار يميلون الى ما جاءوا به من التوحيد وتوابعه ولأنهم أولوا عزم ، وأصحاب شرائع مشهورة والأتباع الكثيرة ، وفى تقديم هذه الأمة وخطابها فى قوله تعالى : ﴿ شرع لكم ﴾ تشريف لها ولنبيها صلى الله عليه وسلم ، وكذا فى ذكره صلى الله عليه وسلم بالايحاء بعد ذكر التوصية ، وقيل : ذكر ابراهيم وموسى وعيسى بالتوحيد للتصريح برسالته صلى الله عليه وسلم القامعة لمنكريها ، وأكد الايحاء بنون العظمة تشريفا له ولكتابه ، وناسب ذلك تعبيره بالذى التى هى أصل الموصولات ، وعبر فى غيره بما ، وفى تقديم لكم إيماء الى أن ما أوحى الى نوح موحى به الى النبى صلى الله عليه وسلم ، لأن الرسل قبله نائبون عنه ، وهو أو الرسل بهذا الاعتبار .
﴿ أنْ أقيمُوا الدين ﴾ إيتوا به قائما على الدوام ، أو مستقيما لا خلل فيه ، وأن حرف تفسير لشرع ، إذ فيه معنى القول ، ومن العجيب أن تجعل مصدرية مخففة أو خفيفة ، مع أن مدخولها انشاء لا خارج له يراد بالمصدر ، معنى اقامة الدين التوحيد والعبادة ، والايمان بالكتب والرسل والبعث ، وشمل ذلك الأصول وما أمروا به من الفروع ، وأما غر ذلك فقد قال الله عز وجل : ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ﴾ والروع كمكارم والأخلاق بأنها متفق عليها فى الأمم ، وكالصلاة والصوم ، والتقرب بصالح الأعمال ، واللصدق والوفاء بالوعد ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وتحريم الأموال ، والزنى والكبر ، والظلم والاعتبداء على الحيوان ، إلا أن صلاتهم ليست كصلاتنا خمس صلوات ، وزادتهم ربع المال ، وصومهم فى غير رمضان ، أو فيه فبدلوه وزادوا وفى المدينة شرع الصوم والزكاة ، وقد قيل : المراد باقامة الدين تحليل الحلال ، وتحريم الحرام ، بحسب ما أوحى اليهم ، وقيل : لم يبعث الله نبيا لا أمره بالصلاة والزكاة بعد التوحيد ، وبالألفة والجماعة .
﴿ ولا تَتَفرَّقُوا فيه ﴾ فى الدين بأن يأتى به بعض ، ولا يأتى به بعض ، ولا يأتى به بعض ، أو يأتى بعض ببعضه فقط ، أو يزيد عليه بعض ، والخطاب فى الموضعين للأنبياء والأمم ، فإنها معلومة بذكر الأنبياء ، والخطاب فى نفس الأمر للأمم ، لأنهم هم الذين يقع منهم عدم الأقامة ، ويقع منهم الاختلاف ، ويجوز أن يقدر بعد قوله : « عيسى » شرع لأممهم أن أقيموا الدين ، وقيل : لم يشرع لآدم إلا التوحيد ، ذكر الله ، وتحريم الزنى ، والظلم ، ونحو ذلك ، وفى عهد نوح حرمت الأمهات والبنات ، وهذا خطأ ، فإنها محرمتان على عهد آدم عليه السلام ، ولم يشرع الحج لأمة موسى ، ومن بعده من الأنبياء ، إلا نبينا صلى الله عليه وسلم ، لا للأمم قبل موسى عليه السلام ، قال على : لا تتفرقوا ، فالفرقة عذاب ، والجماعة رحمة .
﴿ كَبُر على المُشركين ما تَدعوهم إليْه ﴾ من التوحيد ، ورفض كل معبود سوى الله تعالى ، أو من اقامة الدين ، وترك مخالفة المسلمين فيه ، ولفظ المشركين يدل على الأول ، ولكن البعث يدخل فى التوحيد كما قيل لمنكره ﴿ أكفرت بالذى خلقك ﴾ وصلى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : ﴿ الله يجْتَبى اليْه من يشاءُ ﴾ إذ تضمن أن من قومك من سيؤمن ، ويجتبى يصطفى ، وعداه بالى لتضمنه معنى الرد أى يرده اليه عن الشرك ، أو معنى الجمع ، يقال : جمعت كذا الى كذا ، والهاء لله عز وجل ، ولو لزم عمل عامل فى ضميرين لمسمى واحد ، لأن أحدهما معمول بواسطة حرف الجر ، وهو فى القرآن كثير ، وكذا الهاء فى قوله : ﴿ ويَهْدى ليْه مَن يُنيبُ ﴾ عائدة اليه تعالى ، ومعمولة بواسطة البار مع المضمر المستتر إلى واحد سبحانه وتعالى ومقتضى الظاهر ، يهديه لأن المجتبى هو هذا المنيب ، ولكن لم يضمر له ، لبيان أن الاصطفاء متأثر بالانابة اليه ، ومن لم ينب اليه لا يكون مصطفى ، ولا تكرير بين الاجتباء والهداية ، لأن الاجتباء معناه تمييزه وتشخيصه ليكرم ، وبعد ذلك إكرامه بالهدى .
وقيل : هما فريقان مصطفون ، وهم أفضل ، ومنيبون ، ويجوز عود الهاء فى الموضعين لما فى قوله : ﴿ ما تدعوهم اليه ﴾ فيتفق مرجع الضمائر وهو الهاءات فى اليه المواضع الثلاثة ، ويجوز عودة الى الدين فى قوله : ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ فيتفق مرجع هاء فيه ، وهاء اليه فى الموضعين الأخيرين ، وفيه مناسبة لفظية ، وهى اتفاق هاء فيه ، وهاء اليه فى الموضعين الأخيرين ، ومعنوى هى اتحاد المجتمع عليه ، والمتفرق فيه ، والكلام هو فى عدم التفرق فى الدين ، فناسب الجمع والانتهاء اليه ، وقيل ما وهاء اليه فى قوله : « ما تدعوهم اليه » الرسالة ، أى ماتدعوهم الى الايمان به وهو الرسالة ، وهو خلاف الظاهر بلا دليل ، ولو صح فى المعنى ، وهاء اليه فى الموضعين الأخيرين لله رد عليهم .