تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الشورى

الجزء الشورى · صفحة ٠
[سورة الشورى — آية 29]

﴿ ومِنْ آياته خَلْق السَّموات والأرض ﴾ العظام جسما وثقلا بلا تعمد على علاقة من فوق ، أو شىء من تحت ، وان كان فلابد لتلك العلاقة مما تتعلق به ، وللعمدة تحت مما تعتقد عليه ، فيتسلسل ، والتسلسل لا يجوز ﴿ ومَأ بثَّ فيهما ﴾ عطف على السموات ، أى وخلق ما بث ، أو على خلق أى ومن آياته ما بث ، وما اسم لا مصدرية كما يدل له قوله تعالى : ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ لأن من لبيان المبثوث الذى بثه فيهما لا للمصدر الذى هو البث ، لأن البث غير دابة ، وان أولته بالمبثوث أغناك عنه ، جعل ما اسما واقعا على المبثوث ، أى الذى بثه فيهما من دابة على التوزيع فدواب السموات الملائكة ، ودواب الأرض الانس والجن وسائر ما يمشى على الأرض لأن الملائكة والطير كما تطير تمشى .

ولا مانع من أن تكون دواب فى السماء كدواب الأرض من غير الملائكة لا نعلمها كما قال الله تعالى : ﴿ ويخلق ما تعلمون ﴾ وتخصيص الدابة فى سورة البقرة بدواب الأرض ، لا يوجب تخصيص ما هنا بها كما قيل بذلك ، وقيل : الحكم على المجموع ، كقوله تعالى : ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ وقيل : اطلاق الدابة على الانسان والجن بعيد فى عرف اللغة ، فكيف على الملك ، قلنا لا بعد فى ذلك ، وأهل اللغة يستقر به وعظمة الله عز وجل يهون كل شىء فى مقابلتها ، مع أنه لا إهانة فى الوصف بالدبيب ، فعم هنا لبيان كمال القدرة ، وخص فى سورة البقرة قصدا الى ما هو معروف عند المعاند والمسترشد ، وقد قيل : فى السموات مراكب أهل الجنة ، وقيل : السموات جهات العلو طبقة فوق طبقة ، أو جوانب فيها دواب لا تنزل الى الأرض ، وهو خلاف الظاهر ، ولا تفسر به الآية لعدم الحاجة اليه ، ولو صح كما قيل : غن فى الجو بحرا ، وان طائرا اصطاد منه حوتا ، ولا بأن السموات السحاب ، وأن فيهن دواب ، ولا بأن المراد بالدابة الحى اطلاقا للمقيد على المطلق ، أو للملزوم على اللازم ، أو المسبب على السبب من حيث أن الحياة سبب للدبيب ، لأن ذلك خلاف الظاهر ولا دليل عليه .

﴿ وهُو عَلى جَمْعهِم ﴾ فى الموقف للحساب بعد ، لا يخفى عنه حتى لا يبعثه ، ولا يقر أحد عن الموقف بعد البعث ، وقد دارت على أهل الموقف الملائكة سبعا ، والهاء للناس المعلومين من مقام الانذار والاستدلال ، والرد ، وقيل للدواب ، وقيل للسموات والأرض وما فيهما على التغليب ﴿ إذا يَشاء ﴾ جمعهم إذا للاستقبال ، والمضارع له أى فى الوقت الآتى وهو مشيئته ، ودخول اذا على المضارع جائز ، ولو لم تخرج عن الشرط ، قال :

واذا ما أشاء أبعث منها … آخر الليل ناشطا مذعورا

﴿ قديرٌ ﴾ لا يعجر ، وجواب اذا أغنى عنه هو قدير ، أى على الجمع .

٤٬٣٠١ / ٦٬٢٣٦