تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الجاثية

الجزء الجاثية · صفحة ٠
[سورة الجاثية — آية 23]

﴿ أفرأيْتَ ﴾ أنظرت فرأيت ، والاستفهام تعجيب من ترك الهدى الى الهوى ﴿ من اتخذ إلهه هواه ﴾ من موصولة مفعول به ، أول ، والثانى جملة محذوفة معلق عنه ، أى أيهتدى يقدر بعد قوله : ﴿ غشاوة ﴾ يدل عليه قوله : ﴿ فمن يهدى من أضل الله ﴾ أو يقدر يهتدى بلا همز ، فلا تعليق ، ومعنى أرأيت أخبرنى لأن رؤية الشىء سبب للاخبار به وتسمسة الهوى إلها تشبيه بليغ على المشهور ، أو اشتعارة على مختار السعد فى نحو زيد أسد ، والآية نزلت قال الكلبى فى الحارث بن قيس السهمى : كان لا يهوى شيئاً إلا فعله ، قال ابن عباس : أفرأيت من اتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى شيئا إلا ركبه ، لأنه لا يهوى شيئا إلا ركبه ، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخاف ، ولا يحرم ما حرم الله ، وقيل اتخذ معبوده ما تهوى نفسه يعبد صنما منذهب أو فضة أو حجر أو غيره ، فاذا رأى شيئا استحسنته نفسه عبده وترك غيره .

ويروى أنه ما عب إله فى الأرض أبغض من الهوى ، قال ابن عباس : ما ذكر الله الهوى إلا ذمه ، قال وهب بن منبه : اذا شككت أى أمرين فانظر أبعدهما عن هواك فهو الخير ، قلت : فان كانا شرين فأقربهما الى هواك هو أشر من الآخر ، وقال سهر التسترى : هواك داؤك ، وان خالفته فدواؤك ، أى فمخالفته دواؤك منه ، قلت تضمن أن حضور الهوى داء ، فان اتبعته فقد حققته ، قال صلى الله عليه وسلم : « العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله » ويروى : « وتمنى على الله الأمانى » وأحاديث الهوى وآياته وأخباره كثيرة ، وهو غالب مع كثرتها ، لأنه ملائم للنفس وهى عدو من داخل وأعوانه . كثيرة من الجن والانس .

﴿ وأضلَّه الله ﴾ خذله أو خلق فيه الضلال ، أو خلقه ضالا ، كل ذلك بلا إجبار ، بل باختياره ولو كان اختياره مخلوقا من الله تعالى : وكفى فى عدم الإجبار ما يجد من نفسه أنه قادر على الفعل والترك ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ حال من المستتر ، أى ثابتا على علم بأنه أهل للاضلال ، أو من الهاء أى ثابتا على علم بطريق الرشاد ، كقوله تعالى : ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ﴿ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ ﴿ وختم عَلى سَمْعه ﴾ فلا ينتفع بما يسمع ، وقدم السمع لأن المقام لسماع الوحى ، فيصل من الأذن الى القلب ، والتذكير بالأجسام المبصرة رتبته دون التذكر بالوحى ﴿ وقَلْبه ﴾ فلا يتأثر بالمواعظ لإهماله التفكر ﴿ وجَعَل عَلى بَصَره ﴾ عينى وجهه ﴿ غشاوة ﴾ مانعة من الاعتبار والاستبصار ، فكأنه أعمى لا يرى شيئا ، فهو كفاقد السمع والقلب البصر ﴿ فَمن يَهْيه مِن بَعد الله ﴾ بعد إضلال الله إياه ، فيفهم منه أنه لا يهديه الله ، وأما تفسيره بلا يهديه غير الله فلا ﴿ أفَلا تذكَّرون ﴾ أتلاحظون فلا تتذكرون .

٤٬٤٩٦ / ٦٬٢٣٦