تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأحقاف

الجزء الأحقاف · صفحة ٠
[سورة الأحقاف — آية 31]

﴿ يا قومنا ﴾ أعادوا النداء تأكيدا ﴿ أجيبُوا داعى الله ﴾ هو القرآن أو ما سمعوه منه ، أو الرسول صلى الله عليه وسلم ، سمعوا ذلك داعى الله ، لأنه يدعو اليه ، والضافة بمعنى لام الملك أو الاستحقاق ، وذلك كمؤذن السلطان ، قاضى السلطان ﴿ وآمنوا به ﴾ بالداعى أو بالله تعالى ﴿ يغْفِر لَكُم مِن ذُنُوبكم ﴾ أى يغفر ذنوبكم كلها ، على أن من صلة عند الاخفش والكوفيين ، والاسلام يجبّ ما قبله من حقوق الله وحقوق العباد ، وقيل : من للتعبعيض ، والبعض الذى لا يغفر له حقوق العباد ، وقد مر من عطاء أن النفر كانوا قبل يهودا ، وذلك تنزيلا لهم منزلة الموحد الفاسق ، وقيل : تغفر ذنوب الحربى ، ولو حقوق العباد إذا أسلم .

وقد يقال : الذى لا يغفر ما حضر حال الاسلام كخميس زوجات ، واستعباد مسلم ، ووجود خمر عنده ، ولا اشكا فى هذا ، ومقام الكفر قبض لا بسط فلم يذكر المغفرة للكافر الا مبعضة غالباً ، ومن غيره يغفر لهم ما قد سلف ، فانه شامل لحقوق الخلق ، وجاء البسط فى قوله تعالى : ﴿ وقولا له قولا لينا ﴾ وقيل : البعض الآخر ما يفعله بعد اسلامه ، فذكر من دفعا لتوهم اسقاطه بمجرد اسلامه ، وقيل : جاء من ، لأن الجن لم يعلموا أن الاسلام جبّ لما قبله كله .

﴿ ويُجركم مِن عَذابٍ أليمٍ ﴾ معد للكفرة ، ومعلوم أن لا دار المكلف بعد البعث إلا الجنة والنار ، ومن لم يكن فى احداهن كان فى الآخرى فكما يجير الجن المؤمنين بالعذاب يثيبهم بالجنة ، ولا فرق بينهم وبين الآدميين فى دخول الجنة ، والتنعم بأكلها وشرابها وازواجها وغير ذلك ، هذا مذهبنا ، ومذهب مالك بن أنس ، والحسن البصرى ، والضحاك وغيرهم ، وهو الحق ، وعليه الأكثر واستدل له ضمرة بن حبيب قوله تعالى : ﴿ لم يطثهن قبلهم إنسٌ ولا جان ﴾ قال : الانسيات للانس ، والجنيات للجن ، وانما اقتصر فى الآية على ذكر العذاب ، لأن المقام للانذار ، نعم قيل : يكونون فى فيا فى الجنة وأطرافها . وهو مروى عن مالك وطائفة .

وقيل : هم أصحاب الأعراف ، قيل : ونراهم فيها ولا يروننا . وزعم الليث أنه يجأرون من النار فيقال لهم : كونوا ترابا لقوله تعالى : ﴿ يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ﴾ وليس كذلك ، ونسب لأبى حنيفة ، وروى عنه الوقف ، وعن عمر بن عبد العزيز : يكونون حول الجنة لا داخلها ، وقيل يدخلون الجنة ، ويلهمون التسبيح . وفى اليواقيت : الخواص منهم يروننا فيها ، كما أن الخواص منها برونهم فى الدنيا ، وقيل يروننا ونراهم لا كالدنيا ، وعن أبى حذيفة يدخلون الجنة ، ولا ثواب لهم فيها زائدة على دخولها ، وعنه لا يكونون فى الجنة ، ولا فى النار ، ولكن فى معلوم الله تعالى ، ومن زعم أن الله يرى فى الآخرة وذلك خطأ يقول : لا تراه الجن ، كما لا تراه الملائكة لا جبريل ، فانه يراه مرة ، وصححوا أن الجن تراه كما يراه الآدميون ، والحق أن الله لا يراه أحد .

٤٬٥٤١ / ٦٬٢٣٦