سورة آل عمران
الجزء آل عمران · صفحة ٠﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ أى ليعلم المؤمنين المنافقين علم وقوع ، طبق العلم الأزلى ، أو ليتمير للانس ما فى علمه تعالى من إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين ، وأعاد يعلم تأكيداً ، ولئلا يقترن الكفار والمؤمنون على نهج واحد ﴿ وََقِيلَ ﴾ الخ ، عطف على نافقوا ، قال المسلمون لهم حين انصرفوا عن القتال ، وهم ثلاثمائة ، رئيسهم ابن أبى ، وقيل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل ، عبد الله بن عمر بن حرام من بنى سلمة ، وعليه الجمهور ، وتقدم غير ذلك ﴿ لَهُمْ تَعَالَوا قَاتِلُوا ﴾ بدل اشتمال من تعالوا ، والربط بالمعنى ، وهو كون القتال من لوازم التعالى ، لا بالضمير ، إذ لا يعود الضمير للجملة ﴿ فِِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ الكفرة ﴿ أَوِ ادْفَعُوا ﴾ ادفعوا الكفرة عن الأنفس والأموال ، وادفعوهم بكثرة سواد المجاهدين فى سبيل الله ، فإن كثرته تكسر همة العدو وتروعه ، أى احضر يحصل بحضوركم قتال العدو ، أو ادفعوهم بكثرتهم عن الأموال والأنفس ، ولو لم تقاتلوا ، أو ادفعوا عن أنفسكم اسم النفاق بالقتال أو الحضور ولو لم تقصدوا وجه الله عز وجل ﴿ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لأَّتَّبَعْنَاكُمْ ﴾ هذا مما يقوى كون قيل عطف قصة على أخرى ، لا على صلة الذين ، وإلا قال ، فقالوا بالعطف ، ومعنى ، ولو نعلم قتالا ، لو عرفنا أن ما ذهبتم له هو قتال لاتبعناكم ، ولكن عرفناه إلقاء بالنفس للتهلكة لكفرة عدوكم ولتجربتنا ، أنه كلما خرجنا من المدينة إلى عدونا يغلبنا ، أو لم نعرف كيفيته ولم نجربه ، ولو عرفنا ذلك لاتبعناكم ، والوجهان الأخيران استهزاء وغش ، وذلك أول ما صرحوا به من نفاقهم ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ ﴾ أى قربهم إلى اعتقاد الشرك ونصرة أهله ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ يوم إذ قالوا منصرفين عن أحد ، لو نعلم قتالا لاتبعناكم متعلق بقوله ﴿ أَقْرَبُ مِنْهُمْ ﴾ أى من قربهم ﴿ لِلإيَمَانِ ﴾ إلى اعتقاد الإيمان ونصرة أهله ، لأن انصرافهم عن أحد ضعف فى قلوب المؤمنين وقوة قلوب المشركين ، وقيل ظهور هذا منهم هم أقرب إلى الإيمان منهم إلى الكفر بحسب الظاهر ، واللام الأولى متعلقة بالمضاف المقدر ، والثانية متعلقة بمضاف مقدر أيضاً كما رأيت ، وهما بمعنى إلى ، أو بمعنى من ولم يتحد متعلقهما ﴿ يَقُولُونَ بِأفْوَاهِهِم ﴾ من الإيمان ﴿ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِم ﴾ منه ، وذكر الأفواه مع أن القول لا يكون إلا منها تأكيداً أو تصويراً لحقيقة القول بصورة فرده الصادر عن آلته ، التى هى الفم ، كقوله تعالى : ولا طائر يطير بجناحيه ، أو مبالغة بأن القول بجميع الفم ، كقوله تعالى : يأكلون فى بطونهم ، وقولهم ، فلان أكل فى بطنه ، أى ملأه ، وإذ قلنا يطلق القول على الاعتقاد أيضا حقيقة فذكره لذلك أيضا ، وإلا فقوله ، ما ليس فى قلوبهم ظاهر فى أن القول بالأفواه ، ولو لم يذكر ﴿ وَاللهُ أَعْلَمُ ﴾ منكم ﴿ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾ وصح التفضيل مع أن علم الله غير علم المخلوق اعتباراً لجامع مطلق عدم الجهل ، فإن الله جل وعلا لا يجهل ، والمسلمون لم يجهلوا بعض أحوال المنافقين ، لكن علم الله أعم ، إذ علم أحوال المنافقين كلها ، وعلمها تفصيلا وإجمالا ، والذين يكتمون هو النفاق ، وطعنهم فى الإسلام إذا خلوا .