سورة الحجرات
الجزء الحجرات · صفحة ٠﴿ إنَّ الَّذين يُنادونَكَ ﴾ المضارع لحكاية الحال الماضية لغرابتها ، لأن النداء من وراء الحجرات متقدم على نزول هذه الآية ، لكنه حكى بالمضارع الذى هو للحال استحضارا له ، كأنه وقع النداء حال النزول ، والمنادون وقد تميم سبعون رجلا ، أو ثمانون منهم الزبرقان بن بدر ، وعطارد بن حاجب بن زرارة ، وقيس بن عاصم ، وقيس بن الحارث ، وعمرو بن الأهتم ، ومعهم عيينة بن حصن بن بدر الفزارى ، وكان رجل سوء ، يحضر فى كل سوء ، نادوا بصوت جهير جاف : يا محمد اخرج الينا ثلاثا ، ولم يقولوا يا رسول الله ، ثم خرج اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد ان مدحنا زين ، وذمنا شين ، نحن أكرم العرب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كذبتم ، بل مدح الله الزين ، وشتمه الشين ، وأكرم منكم يوسف ابن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم » وذكر ابن اسحاق منهم الأقرع ابن حابس ، وذكر أنه عيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا والطائف ، وأن عمرو بن الأهتم خلفه القوم فى ظهرهم ، وأن خطيبهم عطارد بن حاجب ، وخطيبه صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس ، وشاعرهم الزبرقان بن بدر ، وشاعره صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت .
ولما فرغ حسان من الشعر قال الأقرع : ان هذا الرجل المؤتًّى له ، لخطيبه أخطب من خطيبنا ، ولشاعره أشعر من شاعرنا ، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا ، وأنه لما فرغوا سلموا فأحسن صلى الله عليه وسلم جوائزهم ، أعطى كل واحد اثنتى عشرة أوقية وكساء ، ولعمرو بن الأهتم خمس أواق لحداثة سنر ، وكان عاصم بن قيس يبغض عمرا ، فقال : يا رسول الله انه كان رجلا منَّا فى رحالنا وهو غلام حدث ، وقصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أعطاه مثلهم اثنتى عشرة أوقية ، فبلغه فقال :
ظللت مفترش الهلباء تشتمنى … عند الرسول فلم تصدق ولم تصب
سدناكم سؤدداً رهواً وسؤدكم … باد نواجذه مقع على الذنب
وروى ابن مردويه ، عن سعد بن عبد الله أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن هؤلاء المنادون فقال : « هم الجفاة من بنى تميم ، لولا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله سبحانه وتعالى عليهم ليهلكهم » وجعل ذلك أبو هريرة أحد أسباب حبهم ، والمشهور أن سبب وفودهم المفاخرة ، وقيل : سببه أنهم جهروا السلاح على خزاعة ، فبعث صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر فى خمسي ، ، وليس فيهم أنصارى ولا مهاجرى ، فأسر منهم أحد عشر رجلا ، واحى عشرة امرأة ، وثلاثين صيبا ، فقدم رؤساؤهم لأسراهم فى سبعين أو ثمانين منهم : عطارد ، والزبرقان ، وقيس بن عاصم ، وقيس بن الحارث ، ونعيم بن سعد ، والأقرع بن حابس ، ورباح بن الحارث ، وعمرو بن الأهتم ، ودخلوا المسجد وقد أذن بلال للظهر ، والناس ينتظرون خروجه للصلاة ، فنادوه من وراء الحجرات ، وأجازهم بما مر آنفا قال الأقرع :
أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا … إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وأنا رءوس الناس من كل معشر … وأن ليس فى أرض الحجاز كدارم
وأن لنا المرباع فى كل غارة … تكون بنجد أو بأرض التهائم
فقال صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس : « أجبهم » فأجاب ثم قال أيضا لحسان : « أجبه » فقال :
بنو دارم لما تفخروا إن فخركم … يصير وبالا عند ذركر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم … لنا خول من بين ظئرٍ وخادم
فقال صلى الله عليه وسلم : « لقد كنت يا أخا دارم غنيَّا أن يذكر منك ما ظننت أن الناس قد نسوه » فكان قوله صلى الله عليه وسلم هذا أشد عليهم مما قال حسان ، لأنه مصدق مثبت لما قال حسان فقال حسان :
فلا تجعلوا لله ندّاً وأسلموا … وأموالكم أن تقسموا فى المقاسم
فلا تجعلو لله ندّاً وأسلموا … ولا تفخروا عند النبى بدارم
وإلا وربُّ لبيت قد مالت القنا … على هامكم بالمرهفات الصوارم
فقال الأفزع : والله ما أدرى ما هذا خطيبكم وشاعركم أحسن من خطيبنا وشاعرنا ، ودنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أشهد ان لا الله إلا الله وأنك رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : « ما يضرك ما كان قبل هذا » فيومئذ أسلم الأقرع ، ومعلوم أن سنة الوفود سنة تسع والطائف وحنين قبلها ، قد ذكر أنه شهدهما ، وشهر أنه وعيينة من المؤلفة قلوبهم ، إذ قسمت أموال حنين .
وعن ابن عباس : أصاب النبى صلى الله عليه وسلم بسرية أمَّر عليها عيينة بن حصن نساء وذرارى من بنى العنبر ، هربوا وتركوهم ، فجاءوا للفداء ، ودخلوا المسجد ، فعجلوا قول : يا محمد اخرج الينا ، فخرج ، ويروى أنهم قالوا : فادنا عيالنا ، فنزل جبريل عليه السلام فقال : « إن الله يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا » فقال صلى الله عليه وسلم : « أترضون أن يكون بينى وبينكم سبرة بن عمرو ، وهوعلى دينكم » قالوا : نعم ، قال سبرة : أنا لا أحكم وعمى شاهد ، وهو الأعور بن شامة ، فرضوا بعمه فقال : أرى أن تفادى نصفهم وتعتق نصفهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : « رضيت » ففعل ذلك ، فأطلق النصف ، وفادى النصف .
وعن زيد بن أرقم : جاء ناس من العرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال بعض لبعض : انطلقوا بنا الى هذا الرجل ان كان نبيا كنا أسعد الناس به ، وان كان ملكا نعش فى جنابه ، فجاءوا ونادوه من وراء الحجرات : يا محمد يا محمد ، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات فنقول : هم المذكرون قبل ، وبنو العنبر من بنى تميم وعيينة هو عيينة بن حصن بن بدر ، تارة ينسب الى جده ، وتارة الى أبيه والمنادى واحد وهو الأقرع ، واسناده الى الكل حكم على المجموع ، وكأنه ناداه كل واحد لرضاهم ، أو أمرهم به .
﴿ مِنْ وراء الحجرات ﴾ خلقها ، أو قدامها ، لأن وراء من المواراة ، فما استتر عنك فهو وراءك خلفا أو قداما ، اذا لم تره ، واذا رأيته لم يكن وارءك فهو مسترك معنى ، وقيل : هو من الأضداد ، فهو مشترك لفظى ، والمفرد حجرة بضم فاسكان من الحجر ، بمعنى المنع والقطعة من الأرض حجرة اذا أحيط عليها ببناء أو حطب أو حجارة ، أو نحو ذلك ، مما يمنعها كحظيرة الابل المحاط عليها بحطب ، بمعنى ممنوعة ، وكانت حجرات مسائه تسعا ، صلى الله عليه وسلم ، لكل واحدة حجرة من جريد النخل ، على أبوابها المسموح من شعر أسود ، قال داود بن قيس : رأيتهن ، وأظن عرض البيت من باب الحجرة الى باب البيت ست أذرع أو سبع ، وأحزر البيت الداخل عشر أذرع ، وأظن السمك بين الثمانى والسبع ، رواه البخارى ، وابن أبى الدنيا ، والبيهقى .
وعن الحسن : كنت أدخل بيوت أزواج النبى صلى الله عليه وسلم ، فى خلافة عثمان ، فأتناول سقوفهن بيدى ، قال سعيد بن المسيب : والله لوددت أنهم تركوهن على حالهن ليراها من يأتى فيزهد كما زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساؤه رضى الله عنهن ، ولم يقل من وراء حجرات نسائك ، أو من وراء حجراتك توقيرا له عما يوحشه من ذكره بما عد للستر لنحو الوطء ، ثم انه قيل : وقع النداء فى كل حجرة ، وقيل : النداء من وراء واحدة نداء من وارئهن لنتابعهن : بحيث ينفذها نداء واحد ، وأل للاستقراق والعهد ، أو عوض عن الاضافة .
وقيل : الحجرات الحجرة التى فيها النبى صلى الله عليه وسلم ، جمعت تعظيما ، ولأنها أم الحجرات وأشرفها ، كما جم المسجد الحرام فى قوله تعالى : ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ﴾ فى أحد الأوجه ، لأنه امام المساجد ، ومن للابتداء ، والمراد وقع النداء اليك من وراء الحجرات ، وهو معنى غير معنى ينادونك وراء الحجرات ، وهو أولى من الثانى ، لأن من تشعر بالانهاء والغاية من حيث انها للبتداء ، ويحتمل أن تفيد من تلويحا الى الطرف المتصل بالحجرات من الوراء أو الأبعد ، واسقاطها يقبل أنه صلى الله عليه وسلم فى الوراء مع أنه ليس فى الوراء .
﴿ أكْثَرهم لا يعْقِلونَ ﴾ من نادى بلا أدب ولم يصبر ، ومنه من أمر بذلك أو رضى ، والقليل لم ينادى ولم يرض ولم يأمر ، ولولا تفويت النداء لنادى نداء حسنا ، أو صبر حتى يخرج صلى الله عليه وسلم .