سورة الحجرات
الجزء الحجرات · صفحة ٠﴿ يا أيُّها الَّذين آمنُوا ﴾ شامل للنبى صلى الله عليه وسلم وكاملى الايمان ، والنداء لتأكيد التبيين ﴿ إن جاءكم فاسقٌ بنبأ ﴾ بخبر ﴿ فتبيَّنُوا ﴾ اطلبُوا البيان بالشهادة العادلة ولو بثقة واحد عدل ، وذلك نهى عن العجلة ، كما قرأ بان مسعود فتثبتوا بتاء مثناة بعدها ثاء ، ولا تقلدوا من هو فاسق تحقيقا ، أو يخاف فسقه ، فاذا لم يكن عدلا ثقة خيف أن يكون فاسقا ، فيجتنب حتى يعلم أنه عدل ثقة ، فاذا نهينا عن اتباع الفاسق وجب علينا أن ننظر العدالة .
قال الحارث بن أبى ضرار الخزاعى : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم : فدعانى الى الاسلام فأسلمت ، والى الزكاة فأقررت بها ، وقلت : أدعو اليهما قومى ، فمن استجاب جمعت زكاته ، فأرسل الىَّ لوقت كذا من يأتيك بها ففعلت وانتظرت رسوله ، ولم يأت فقلت لرؤساء قومى : لم يأتنى الرسول ، ونبى الله صلى الله عليه وسلم لا يحلف الوعد ، وأخاف أن الله تعالى سخط علينا فسرنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاتنا ، وقد بعث صلى الله عيه وسلم الوليد بن عقبة ابن أبى معيط ، أخا عثمان لأمه ليقبضها عنا ، ولما بلغ بعض الطريق خلف فرجع ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ان الحارث منعنى الزكاة وأراد قتلى ، فأرسل لينا من يقاتلنا ، فلتقينا معهم خارج المدينة ، فقلنا : الى من؟ قالوا : اليك إذ منعت الزكاة ، وأردت قتل الرسول اليك ، فقلنا : لا والله ، فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « منعتم الزكاة ، وأردتم قتل رسولى » قلنا ، لا والله ما رأيناه ، وقد خفت سخط الله تعالى اذ لم يأتنى رسولك فنزل : « يا ايها الذين آمنوا » الآية رواه الطبرانى ، وأحمد قبله .
وقيل : أرسل اليهم خالدا بعد قول الوليد ، وأعطوه الزكاة ، ولم يجيئوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نزلت الآية قال صلى الله عليه وسلم : « التثبت من الله تعالى والعجلة من الشيطان » روى عبد بن حميد ، عن الحسن : أن الوليد بن عقبة ، أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ان بنى فلان ، وكان بينه وبينهم شىء ، ارتدوا ، فبعث اليهم خالدا ينظر هل يصلون ، فان تركوها فاقتلهم وغلا فلا تعجل ، فوافاهم عند الغروب ، وكمن وراءهم فرآهم أذنوا وصلوا المغرب ، قم أذنوا للعشاء عند غيوب الشفق ، وصلوها ، ورجع اليخم فى جوف الليل فرآهم يتهجدون بشىء من القرآن تعلموه ، وطلع الفجر فأذنوا وصلوا ، فاذا بطوالع الخيل فقيل : هذا خالد فى خيله ، قالوا : يا خالد ما شأنك؟ قال أنتم شأنى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكم ارتددتم فجثوا يبكون ويقولون : لا والله ، فرد الخيل حتى أتى اليه صلى الله عليه وسلم ، وأنزل الله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الآية .
إن قلنا : الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكاملى الايمان فلأن القضاء وانفاذ الأحكام والافتاء يكون بهم ، فذلك تجزئة وقد يراد الكل لوجود الكاملين فيهم ، فذلك كل مثل المجموع ، وما هنا أمر لا حكم ، وان أريد المؤمنون مطلقا فكلية ووجهه أن عامتهم قد يشهدون ، وقد يسعون فى أن يفتى أو يقضى أو يحكم بشىء ويتولون ويبرءون ، فلزمهم التثبت والنكرة كفاسق ونبأ فى سياق الشرط ، تظهر العموم ولا تنصبه ، والمراد هنا العموم البدلى لا خصوص الوليد بن عقبة بن أبى معيط بناء على أنه لا يظن بالوليد الجزم بأنهم منعوا الزكاة ، وأرادوا قتله ، كما قيل بهذا الجزم منه ، وانما ظن وتوهم فأخطأ .
وقيل : المراد الوليد وأنه جىء بأن والتنكير سترا عليه ، والفسق لغة : الخروج ، وشرعا : الخروج عن أمبر الدين بكبيرة ، ويطلق على المشرك أيضا كما ورد فى القرآن ، والنبأ الخبر مطلقا ، أو إن كانت فيه فائدة عظيم ، وقال : ﴿ ان جاءكم ﴾ ولم يقال : اذا جاءكم لقلة الفسق والاخبار به فى حيزه صلى الله عليه وسلم ، حتى انه يشك على يتصور أن يكون والنداء بالايمان بخرج عنهم الفاسق ، إذ ليس منهم ، اذ المراد الايمان الكامل أو العموم الا أن ايمانه كلا ايمان ، كقوله صلى الله عليه وسلم : « لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن » أى موحد ، والمراد أنه شبيه بالمشرك ، أو المراد لا يزنى وهو موف ، وليس ذلك نصّاً لجواز أن يراد ان جاءكم فاسق منكم ، والذين جىء اليهم هم الباقون بعد هذا المجىء ، والآية دليل على أنه لا تقبل شهادة الفاسق لا على أنه يجوز أن يجعل شاهدا ، كيف نجعله شاهدا ، ولا نكتفى بشهادته ، بل بغيرها كشهادة غيره وكالاقرار ، وكذا اذا أشهدناه ثم علمنا بفسقه ، والمطلوب انتفاء الفسق ، فنبحث عن العدالة ، والأصل الفسق ، أو العدالة قولان : وجه الأول : أن العدالة طارئة ، ووجه الثانى أنه بتوحيده يتأصل فيها ، والطارىء الفسق ، ثالثهما ، الوقف عن الحكم فى ذلك حتى يرى ما يقوى أحدهمان كادعا الاسلام فى قوله وفعله ، من عدم العلم العلم بكبيرة منه .
والصحابة عدول لا يبحث عن عدالتهم فى شهادة ولا رواية ، لما ورد فيهم من المدح ، ولا يخلون من كبائر الا أنهم يموتون تائبين ولا بد ، وعليه جمهور قومنا أو كغيرهم ، فيبحث عنها فيهم إلا من يقطع له بها ، كأبى بكر وعمر ، ومن ترجح له ، أو عدول الى أن وقعت فتنة عثمان ، أو الى أن وقعت فتنة على ، فمن قاتله منهم فسق ، أقوال .
خامسها : أن من خاض منه فى الفتن ولم يظهر معه الحق ، أو علم الحق ، وتمسك بمجرد ما ورد فيهم من المدح ، ومن أمسك لقصوره والقدرية والمعتزلة ، فهل تقبل شهادته وروايته ، ان تورع فى الفروع؟ قولان ، وغير متأول فلا نقبل عنه ، ولا تقبل عمن أحل وضع الأحاديث ترغيبا أو ترهيبا كالكرامية لا تقبل عنه ، وقيل تقبل فى غير الحديث إن تورع فى غير ذلك ، وعليه الحنفية ﴿ أنْ تُصيبُوا ﴾ كراهة أن تصيبوا أو لئلا تصيبوا ﴿ قوماً ﴾ برآء مما نسب اليهم ﴿ بجهالةٍ ﴾ منكم لحالهم متعلق بتصيبوا ، والباء لوصل الفعل ، أو متعلق بمحذوف حال من الواو ، وقالوا للملابسة ﴿ فتُصبْحُوا ﴾ تصيروا ﴿ عَلى ما فَعلتُم ﴾ على ما فعلتموه ، أو على فعلكم ، وعلى التعليل ، أو السببية متعلق بقوله : ﴿ نادمين ﴾ مغتمين غماً لازما ، متمنين أنه لم يقع ما فعلتم ، لكثرة تذكره وغير ذلك ، ولا يلزم تجديد التوبة والندم كلما ذكر الذنب على الصحيح .