تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الحجرات

الجزء الحجرات · صفحة ٠
[سورة الحجرات — آية 11]

﴿ يا أيها الَّذين آمنُوا لا يسْخَر قَومٌ ﴾ منكم ﴿ مِن قومٍ ﴾ منكم آخرين ، والسخر الاحتقار لعيب حقيق ، أو مدعى وليس بعيب فى حضرة المسخور منه ، أو غيبته أريد الاضحاك ، أو لم يرد بفعل أو اشارة ، أو كناية أو ايماء ، أو ضحك ، مثل أن تعيب أحدا بقصره أورقته أو نحو ذلك ، مما ليس فعلا للمسخور منه ، أو ما هو فعل منه ، سخر قوم من بنى تميم ، من بلال وسلمان ، وعمار وخباب ، وصهيب مولى أبى حذيفة ، وابن نهبرة وسالم ، لرثة حالهم رضى الله عنهم ، فنزلت والقوم الذكور بدليل مقابلته بالنساء بعد ، ومع ذلك فحكم الذكور شامل للاناث ، ومع ذلك ذكرت النساء بعد أيضا لتأكيد النهى وتعميمه ، قال :

أقوم آل حصن أم نساء … وأصله مصدر قام ، قال بعض العرب ، اذا أكلت طعاما أجبت نوما ، وأبغضت قوما ، اى قياما ، وسموا لأنهم يقومون بالأمور العظام دنيا ودينا ، ويقومون على النساء ، وأما نحو قوم نوح فدخلن فيه بالتبع ، وقيل : نزلت الآية فى شأن بنت أبى لهب ، أسلمت فكان يقال لها : هذه بنت حمالة الحطب ، وفى شأن عكرمة بن أبى جهل أسلم ، وكان يمشى فى المدينة فقال له قوم : هذا ابن فرعون هذه الآمة ، وشكت وشكا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت :

﴿ عَسَى أن يكونوا ﴾ أى القوم المسخور منهم ﴿ خيراً ﴾ عند الله عز جل ﴿ منْهُم ﴾ من القوم الساخرين ، روى أحمد ومسلم ، عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رُبّ أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه به ، لو أقسم على الله لأبره » أو عسى أن يكون المسخور منهم اعزاء بعد والساخرون أذلاء ، فينتقمون منهم أولا ينتقمون قال :

لا تهين الفقير علك أن … تركع يوما والدهر قد رفعه

والأول أولى لتبادره من أن أحكام القرآن مبينة على مثال الآخرة ﴿ ولا نساءٌ ﴾ منكم ﴿ مِنْ نِساءٍ ﴾ أخر منكم ﴿ عَسَى أنْ يكُنَّ ﴾ أى النَّساء المسخور منهن ﴿ خيراً مِنْهنَّ ﴾ من النساء الساخرات عند الله ، أو يصرن فى الدنيا خيرا منكم فى الدنيا على حد ما مر ، روى طرفه خلفها ، فقالت عائشة لحفصة ، كأن يسدلها لسان كلب ، فنزلت الآية وتابت .

وروى أن عائشة كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية ، وكانت قصيرة ، فنزلت الآية ، وتابت ، عن أس نزلت فى نساء النبى صل الله عليه وسلم اذ عيرن أم سليم بالقصر ، وفى الترمذى ، عن أنس ، أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل على صفية ، وهى تبكى فقال : « ما يبكيك؟ » قالت ان حفصة قالت لى : بنت يهودى ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : « إنك لابنة نبى وإن عمك لنبى وإنك تحت نبى ففيم تفتخر عليك ، ثم قال : اتقى الله يا حفصة »

وعن ابن عباس : نزلت فى صفية إذ قال لها بعض نساء النبى صلى الله عليه وسلم : يهودية بنت يهوديين ، وفى أبى داود والترمذى ، عن عائشة قلت للنبى صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفية كذا وكذا ، قال بعض الرواه : المراد قصرها ، فقال : « لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته » .

قالت : وحكيت له اساناً ، فقال : « ما أحب أنى حكيت انسانا وان لى كذا وكذا » ولعلها نزلت فى جميع ذلك ، إذ وقع قبل نزولها ، وذكر جماعات دون أن يقول رجل من رجل ، ولا امرأة من امرأة ، أو يقول أحد من أحد ، لأن الغالب وقوع السخر فى الجماعة يتفكهون به ويتألم به المسخور منه ، أو لأن الجماعة واقعة حال فنزلت الآية على حكم الجماعة كقوله تعالى : ﴿ لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ﴾ فالربا حرام ولو لم يكن أضعافا مضاعفة ، لكن نزلت فى قوم ضاعفوه أضعافا ، وجملة ان والفعل وما عمل فيه يستغنى بها عن خبر عسى ، لاشتمالها على المسند والمسند اليه ، فيقدر المصدر مرفوعا لأن أصل ما بعدها هو المبتدأ والخبر ، وهما مرفوعان ، ولا تقل مرفوع ومنصوب ، لأن التأويل بالمصدر لا يقبل إلا واحداً ، وقيل : لا خبر لها ، والمصدر فاعل ، أو بمعنى قارب ، والمصدر مفعول ، أو بمعنى قرب ، ويقدر الجار أى من أن يكونوا ، أو من أن يكن .

﴿ ولا تَلمزُوا أنْفُسكُم ﴾ عبارة عن قوله : كل واحد منكم لا يلمز الآخر ، ليفيد أن المسلمين كنفس واحدة ، فمن لمز واحدا كما لمز نفسه ، فى هذا كفاية ، وقيل : يقدر مضاف ، الواو بمعنى بعض مجازا استعاريّاً ، أى لا يلمز بعضكم أنفسكم ، أى بعضكم فحذف بعض وناب عنه الواو ، والجملة مقررة لمعنى الأولى قبلها لأنفسها ، فان اللمز العيب ، أى لا تعيبوا أنفسكم ، وهو أعم من السخر ، وقيل : اللمز التنبيه على المعائب او تتبعها ، واشترط بعضهم قصد الاضحاك ، وحضور المسخور منه فى السخر ، وقيل اللمز ما كان بخفية ، وقيل : المعنى لا تلمزوا أنفسكم والمزوا المشركين ، ومن ينافق ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « أترعون أن تذكروا الفاسق بما فيه حتى يعرفه الناس » وهو غير متبادر ، بل كأنه كالعمل بمفهوم اللقب وهو ضعيف ، وليس انفس وصفا تعلق به الحكم ، فيؤذن بالعلية ، انما هو كذلك فى نفس الأمر لا فى العبارة ، وقيل : المعنى لا تفعلوا ما تلمزون ، فعبر بالمسبب واللازم عن السبب والملزوم وفيه بعد .

﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ لا يخاطب بعضكم بعضا باللقب ، كأنه يمضى بأصبعيه وبأسنانه ، وأصل اللقب فى الذم ، وكان يستعمل فى المدح والنبز مختص بالذم ، وان يذكر الرجل بما يكره مما هو فى نفسه أو أبيه أو أمه أو غير ذلك ، وسواء اللقب النحوى ، والكنية النحوية ، والاسم وغير ذلك مما هو ذم كل داخل فى اللقب ، كانوا يفسحون لثابت بن قيس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لثقل فى سمعه ، فلم يفسح له رجل ، وقال له : اجلس فقد أصبت مجلسا ، فجلس مغضبا ، ولما سكن بعض غضبه قال : من هذا؟ فقال : أنا فلان بن فلان ، قال : لا بل ابن فلانة لامرأة يعير بها فى الجاهلية ، فخجل فنزلت ، فقال ثابت : والله لا أفخر أبدا على أحد فى النسب .

وقيل : نزل فيه قوله تعالى : ﴿ يا أيها الناس انَّا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ الآية ، وقال صلى الله عليه وسلم له : « إنك لا تفضل أحدا إلا بالدين والتقوى » وفى البخارى وغيره نزلت فى بنى سلمة حى من الانصار قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وما بينهم رجل إلا له اسمان أو أو ثلاثة ، فاذا أحدا باسم قالوا : يا رسول الله انه يكره هذا الاسم ، فنزلت ، ومن ذلك أن يسلم الرجل وينادى بما فيه من قبل ، كيا يهوديى ويا نصرانى ويا مجوسى ، وقد كان كذلك قبل ، أو يا فاعل كذا من معصية ، أسلمت صفية بنت حيى فكانت النساء يقلن لها يهودية بنت يهوديين ، فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم : « هلا قلت أنا بنت هارون ، وعمى موسى ، وزوجى محمد » صلى الله عليه وسلم .

﴿ بئسَ الاسْم الفُسُوقُ ﴾ ساء اسم لهم هو الفسوق ، يتصفون به بعد ايمانهم ، وهو ذكرهم غيرهم بما يكره ، والاسم هنا الذكر يقال : طار اسمه فى الناس أى ذكره بالكرم أو السوء ، فان الايمان صار فلاحا : بئست الفلاحة بعد التجر ، والآية تدل على أن مرتكب الكبيرة فاسق ، ولا تختص المتزلة بهذا ، هذا العموم فى تفسير الآية أولى من قول بعض : ان معناها النهى عن ذكر أحد بمعصية قد تاب عنها ، فهى الفسوق بعد الايمان ، اى بعد التوبة ، ولا بأس بما دعت اليه الضرورة للبيان كقولك : « رواه الأعمش ، ولقب الخير مسنون لمن هو له اسم ، كتلقيب حمزة بسيف الله ، وخالد بأسد الله ، وعمر بالفارق ، لظهور الاسلام به ، الصديق والعتيق لأبى بكر أنه عظيم الصدق ومعتق من النار ، وصفاء بدنه ، وذى النورين لعثمان إذ تزوج بنتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبى تراب لعلى إذ وجده صلى الله عليه وسلم نائما على تراب » .

﴿ ومَن لَم يتُب ﴾ من ذنوبه ومنها التنابز بالألقاب واللمز والسخرية ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ لأنفسهم بتعريض أنفسهم للنار وللناس بالاخلال بحقهم ، ولدين الله تعالى .

٤٬٦٢٣ / ٦٬٢٣٦