تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الطور

الجزء الطور · صفحة ٠
[سورة الطور — آية 21]

﴿ والَّذينَ آمنُوا واتَّبعتْهُم ذُريَّتَهُم ﴾ أولادهم الأطفال ذكروا أو اناثا ، وقيد الاتبارع احترازا عن ان يبلغ الطفل فيكفر ، وعطف اتبعتهم الخ على آمنوا صحيح بلا ضعف ، فلا داعى الى جعله حالا مع تقدير قد ، بناءعلى وجوب قرن الماضى المثبت بقد إذا كان من جملة الحال ، أو بدون تقديرها ، لأن الأصل القرن بها ، والأصل عدم التقديرن والأصل فى الواو العطف لا الحالية ﴿ بإيمان ألحقنا بِهِم ذُرِّيتَهم ﴾ فى درجاتهم ، والمعنى اتبعتهم ذريتهم بايمان ما قوى أو ضعيف ، فان الايمان يتفاوت على الصحيح ، وايمان الطفل قد يقوى كما سمعت فى القصص عن بعض الأطفال ، فالتنكير للتعميم ، وان شئت فقل للتنويع .

وقيل : يتفاوت الايمان بالأعمال ، ويجوز أن يكون للتعظيم ، لأنه ايمان على أصل الفطرة لم تحدث عليه معصية ولا مكروه ، وعلى كل حال تكون عبادته دون عبادته أبيه ، لأنه غير مكلف الا أنه يجمع بأبويه ليزداد سُرورا به ، وقد قال بعض العلماء يتولى الطفل بولاية أمه ، ولو كان أبوه فى البراءة ، وعن ابن عباس روايتان فى الحلق البالغ بأبيه فى درجته ، لو لم يكن فى درجة عمل أبيه لتقر به عينه ، والذكر والأنثى سواء فى ذلك كله ، ورواية البغوى أن أولاد المشركين فى النار مع آبائهم كاذبة ، وأن صحت فأولادهم البالغون المشركون ليتأذوا بهم .

قال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقالله انهم لم يبلغوا درجتك عملك ، فيقول : يا رب قد عملت لى ولهم ، فيؤمر بالحاقهم به ، أى فيسكنون معه أبدا » ومعنى عمله لهم أنه كان يدعو لهم ، وهذا يكفى ولا سيما أنه قد يهب لهم عملا صالحا فى حياته ، وأقول لا مانع من أن تشمل الآية والحديث البالغ القريب من الطفولية المطيع لله ، ويلحق ابن أمه أمه فى درجتها ان تابت ، وكذا من لمن يثبت له الشرع أباً ، وإن شقى الأب وسعدت الأم رفع اليها ، وسواء فى ذلك كله المهاجرون الصحابة وغيرهم ، ولم يضمر للغرابة فى قواه : « ألحقنا » الخ للبيان ، وولد الموحد يحكم عليه بالتوحيد ، وولد المشرك لا يحكم عليه بالشرك ، بل يبطل الشرك ، وقيل : ان أسلمت أمه دون أبيه حكم له بحكم التوحيد ، وأما أولاد المشرك والفاسق ففى الجنة خدم لأهل الجنة ، لأنهم ولدوا على الفطرة ، ولحديث سألت ربى فى اللاهين فأعطانيهم ، وأخطأ من قال : هم فى النار ، إذ لا معصية لهم ، وأخطأ من قال : توقد لهم نار ، فمن دخلها نجا ، لأن الآخرة ليست دار تكليف .

وأما ما روى أن خديجة رضى الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد لها من غيره صلى الله عليه وسلم ، ماتوا فى الجاهلية فقال :

« ان شئت أسمعتك أصواتهم فى النار ، وان شئت أريتك تقلبهم فى النار » فأولاد بلَّغ ، ولو سمتهم أطفالا لقلنا : المراد بلغ قربوا من الطفولية ، وأما قوله تعالى : ﴿ ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً ﴾ فمعناه لا يلدوا إلا من يبلغ ويكفر أو إلا من يكفر أن بلغ ، كما قال لعائشة فى طفل قالت : انه من أهل الجنة : « ما يدريك ما يفعل إن بلغ » وأما ما روى ان غلام الخضر كافر فان المراد أنه شاب بالغ .

﴿ ومَا ألتناهُم ﴾ نقصناهم لأجل إلحاق ذريتهم بهم ﴿ مِن عَمَلهم ﴾ مِن للابتداء ، أو متعلقة بمحذوف حال من المفعول به المجرور بمن التى هى صلة فى قوله : ﴿ مِن شَىءٍ ﴾ والنقص من العمل إسقاط بعضه ، فيلزم عليه اسقاط ثواب ذلك البعض ، أو يقدر مضاف أى من ثواب عملهم ﴿ كُلٌّ امْرىء بمَا كَسَب رَهينٌ ﴾ مرهون بذنوبه ، فان تاب منها فك بدنه من اليار كشىء مرهون فى دين يفك اذا قضى الدين ، وان مات غير تائب من ذنوبه دخل النار ، وهذا كقوله تعالى : ﴿ كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين ﴾ فان أصحاب اليمين فكوا رقابهم من النار بما أطابوا من أعمالهم ، وقيل رهين بمعنى راهن ، أى دائم لأن الدوام يقتضى عدم المفارقة بين المرء وعمله ، ومن ضرورته ان لا يُنْقص من ثواب الآباء شىء ، وأنا أعجب من مثل هذا التكلف .

٤٬٧٥٦ / ٦٬٢٣٦