تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الرحمن

الجزء الرحمن · صفحة ٠
[سورة الرحمن — آية 64]

﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا ﴾ نعم مجازاة الإِحسان بالإِحسان . ﴿ تُكَذِّبَانِ . وَمِن دُونِهِمَا ﴾ فى الفضل ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ أخريان ، السابقتان أفضل منهما ، السابقتان للسابقين وهاتان لأَصحاب اليمين عند الأَكثر وعن الحسن السابقتان للسابقين وهاتان للتابعين ، وهو رواية عن أبى موسى الأَشعرى موقوفة ، وروى عنه مرفوعاً السابقتان هما وآنيتهما من ذهب للمقربين ، وهاتان من فضة وكذلك آنيتهما لأَصحاب اليمين والتابعين ، وذكر بعض العلماء بلا سند أن السابقتين للخائفين وهاتان لذريتهم الذين ألحقوا بهم وفيه أن المناسب أن لا ينفرد الذرية عن آبائهم لأَنها أطفال تقر أعينهم بهم . وقال الطحاوى هاتان أفضل عن السابقتين لأَن الوصف بالإِدهام ووصف العينين بالنضخ وإِثبات الفاكهة والنخل والرمان والخيرات الحسان والحور المقصورات أفضل من الوصف بجريان العينين ، وكون الفاكهة زوجين إِلى آخر صفات السابقتين العامة ، فإِن تنوين فاكهة للعموم كقوله علمت وهو كقوله من كل فاكهة . وقال هما من ياقوت وزبرجد والياقوت والزبرجد أفضل من الذهب والفضة إِلا أنهما لم يذكرا فى الآية . ويدل لهذا القول حديث البخارى ومسلم عن أبى موسى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما فاخر » ، اللتين من الذهب . فعرفنا أنهما اللتان المتأَخرتان فى الآية فمعنى من دونهما أمامهما ويبعد أن يقال فى قوله تعالى : ﴿ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ ﴾ إِنه مقابل لمقصورات فى الخيام من حيث إن الياقوت والمرجان مما يصان ويحبس . ﴿ مُدْهَامَّتَانِ ﴾ نعت لجنتان ، أى شديدتا الخضرة حتى كأَنهما سوداوان ، والدهمة السواد وصيغة الإِفعيلال من الدهمة للمبالغة ، فالإِدهيمام مصدر واسم الفاعل مدهام بشد الميم أصل المدغمة الكسر ، وسأَل أبو أيوب الأَنصارى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى : ﴿ مُدْهَامَّتَانِ ﴾ فقال : خضراوان أى شديدتا الخضرة من الرى فهما من نبات كنبات الأَرض فى الدنيا ولا يبعد ذلك لكن يكون لطيفاً ليناً جداً ، ويجوز أن يكون الشجر من الذهب ونحوه ، جعله الله بحيث يثمر وينمو بالماء ويجوز أن يكون من ذهب ونحوه خلقه الله تعالى على صفة الشجر شديد الخضرة المثمر بلا سقى ، وقيل الجنتان المدهامتان نبات ورياحين والسابقتان أشجار بأَفنان وثمار وظلال فهما أفضل وفيه إِنا لا نسلم أن الأخيرتين نبات ورياحين بل أشجار أيضاً مثمرة وظلال ، فإشنه كما يوصف النبات بالخضرة الشديدة يوصف الشجر بها بل الشجر أولى بالوصف بها وهو أشد شهرة بها . ﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا ﴾ نعم ادهام الجنتين ﴿ تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ فوارتان بالماء والنضخ دون الجرى على أن السابقتين أفضل كذا قيل ، والظاهر أن الفوران الشديد بالماء أعظم من مطلق الجرى ، فإِن الجرى قد يكون معه ضعف الماء ، والفوران الشديد فيه جرى وزيادة قوة وحسن منظر بتناثره قطرات إِلى جوانب . وعن البراء بن عازب من رواية ابن أبى حام : العينان اللتان تجريان خير من اللتين تنضخان وكأَنه اعتبر أن الفوران يكون على ضعف شيئاً فشيئاً . وعن أنس نضاختان بالمسك والعنبر على دور الجنة كما ينضخ المطر على دور الدنيا . وعن مجاهد نضاختان بكل خير .

٤٬٩٦٥ / ٦٬٢٣٦