تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النساء

الجزء النساء · صفحة ٠
[سورة النساء — آية 23]

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ الأحكام لا تتوجه إلى الذوات ، بل إلى فعل المكلف ، فالمراد تحريم نكاحهن ، لأنه معظم ما يقصد من النساء ، ولأنه المتبادر إلى الفهم فى عرف اللغة ، كتحريم الأكل من قوله ، حرمت عليكم الميتة ولأن ما قبل وما بعد فى النكاح ، وذلك ظاهر من أول ، لا كما قيل إن التحريم مجمل ، مبين من حيث إنه يحتمل تحريم النظر والمس باليد مثلا ، فى أى موضع من بدنها ولو رأسها ، وسائر الأفعال ، والأمهات يشمل الجدات ، والجملة إنشاء عند قوم ، إخبار عند قوم آخرين ، وهو الصحيح ، وحاصله أن الله أخبرهم بأن حكمه التحريم أو أن التحريم فى اللوح المحفوظ ﴿ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ شامل لبنات الابن وبنات البنت ، وإن سفلن ، وذلك حقيقة فى الأمهات والبنات ، ولا سيما أن الأم الأصل كأم القرى ، وأم الكتاب ، والجدة أصل ، وقيل إطلاق الأم على الجدة ، والبنت على بنت الابن مجاز ، فترادان من خارج ، أو بالآية استعمال للفظ فى حقيقته ومجازه ، أو فى عموم المجاز ، وتحرم بنت الزانى من زناه عليه ، لأنها من مائة وبنته قطعاً ، عقلا ولغة ، وذكر عن الشافعى أنه أبا حهاله لأنه لا نسب ولا إرث بينهما ﴿ وَأَخَوَاتُكُمْ ﴾ من الأب والأم ، أو من أحدهما ﴿ وَعَمَّاتُكُمْ ﴾ أخوات آبائكم وأخوات أجدادكم ، من الأب والأم ، أو من أحدهما ، وسواء الأجداد من الأب والأم ﴿ وَخَالاَتُكُمْ ﴾ أخوات أمهاتكم ، وأخوات ، وأخوات جداتكم ، من الأب والأم ، أو من أحدهما ، وسواء الجدات من الأب والأم ، لأم ﴿ وَبَنَاتُ الأَخِ ﴾ من الأب والأم ، أو من أحدهما ، ومثلها بنت الأخ ، وبنت ابن الأخ ، وكدا ما سفل ﴿ وَبَنَاتُ الأُخْتِ ﴾ من الأب والأم ، أو من أحدهما ، وكذا ما سفل ، كالتى قبلها ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ ﴾ جمع أم لكثرته ، لا جمع أمهة لقلته ، والهاء زائدة ، وفى غير العقلاء أمات ، وقد يقال فيه أمهات ، وقد يقال فى العقلاء أمات ﴿ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ ﴾ ولو مصة أو قطرة من أى منفذ ، ولو من أذن أو جرح ولو بعد موتهن إذ كان أبيض نافعا لا ماء ، وزعم مالك وأبو حنيفة يحصل التحريم بمصة ، وزعم الشافعى وأحمد أنه يحصل بخمس رضعات ، وزعموا عنه أن المراد خمس إشباعات فى أوقات ، وفيه حديث أو لقاه فى تفسير الحديث ، والفروع بالنسخ ، ولا رضاع إلا فى حولين ، كما قال ابن مسعود ، وهو أيضاً مرفوع ، وروى ، لا يحرم من الرضاع إلا فتق الأمعاء ، وزعم البخارى أنه إن مص أو شرب من لبن شاة أو نحوها حرم عليه أكلها ، وعدوا ذلك فتنة للبخارى ﴿ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ ﴾ والبنات ، والخالات ، والعمات ، وبنات الأخ ، وبنات الأخت منها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » ، نبه الله سبحانه وتعالى بتسمية المرضعه ، أماً ، والتى رضعت منها قبل أو بعد أو معه أختاً على أن الرضاع جارٍ مجرى النسب ، وأنه ينتشر ، فأم مرضعتك جدتك ، وأختها خالتك ، وأبوها جدك ، وبنتها أختك ، وخالتها خالتك وعمتها عمتك وأم زوج المرضعة الذى له اللبن جدتك ، وبنته ولو من غير مرضعتك أختك ، ولا يجوز تزوج أخت ابنك إذا ولدتها المرأة من رجل آخر ، وولدت أنت منها هذا الابن ، لأن وطء الأم يحرم البنت ، وشهر المنع المصاهرة لا للوطء لفقده ، ويجوز هذا إذا كان هذا الابن من رضاع ، ومنعته الشافعية ، وفى أم أخيه من الرضاع القولان ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ ﴾ شامل لجدات النساء ، وإن علون من جهة ، وللجدات من الرضاع من أى جهة كذلك ، والأمهات من الرضاع ﴿ وَرَبَآئِبُكُمُ ﴾ القريبات والبعيدات ماتناسلن ، وهن بنات أزواجكم من غيركم ، ولو ولدتهن من غير بعد ما فارقتموهن ، وجاء مرفوعا ،

« أنه إذا نكح المرأة الرجل لم تحل أمها ، دخل بالابنة أو لم يدخل » ، وتحريم البنت إن دخل بالأم ، وريبة فعليه بمعنى مفعولة ، أى مربوبة ، كما يربى الولد ، والحقتة التاء لتغلب الاسمية ، وإلا ففعيل بمعنى مفعول لا تلحقه التاء إلا نادرا ﴿ الاَّتِى فَى حُجُورِكُم ﴾ جرى على الغالب ، لا قيد ، فلا يفهم منه حل الربيبة التى لم ترب فى الحجر ، والمفرد حجر بفتح الحاء ، كسرها وإسكان الجيم ، وهو مقدم الثوب ، أما دون الإبط إلى الكشح ، والمراد لازم الكون فيه وهو التربية ، وقال أبو عبيدة : فى حجوركم فى بيوتكم ، وهو كذلك جرى على الغالب لا قيد ، وروى عن على أن قوله : التى فى حجوركم قيد ، وأنه تحل التى ليست فى الحجر ، وكان ابن مسعود يقول بذلك ، ثم رجع إلى الجمهور ، وفائدة ذكر الحجر التشنيع كأنهن الأزواج والأمهات ﴿ مِّنِ نِّسَآئِكُمُ ﴾ حال من الربائب ، أو من ضميرهن المستتر فى قوله حجوركم ﴿ الاَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ ﴾ أى جامعتموهن ، أو نظرتم فروجهن ، أو مسستموها ، ومن فعل ذلك يزنى بامرأة حرمت عليه هى وبناتها وأمهاتها ، وحرمت هى على أولاده ، وكذا عند أبى حنيفة ، أن لمس الزوجة ونحوها كالجماع ، وأن الزنى يحرم المصاهرة ، تحرم به المزينة على أبى الزانى وإن علا ، وعلى أولاده وإن سفلوا ، وعلى الزانى أمهاتها وإن علون ، وبناتها وإن سفلن إلا أنه زعم لا تحرم على الزانى مزنيته ، وزعم الشافعى أن الزانى لا يوجب حرمة المصاهرة ، لأن المزنية ليست زوجا لزانيها ، وأنه إنما يوجبها الوطء بشبهة ، أو ملك يمين ، ومن فارق المرأى قبل الدخول وما يلتحق به حلت له بنتها ، وحرمت عليه أمها ، فالعقد على البنت ، يحرم الأم ، وإنما يحرم البنت الدخول على الأم ، قال صلى الله عليه وسلم فى رجل طلق امرأة قبل الدخول بها : « إنه تحل له بنتها لا أمها » ، وزعم بعض عن علىّ ، أنه لا تحرم الأم بالعقد على البنت بل بوطء البنت ﴿ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ تصريح بالمفهوم دفعاً لقياس الربائب على أ/هات النساء فى التحريم بمطلق العقد ﴿ وَحَلآئِلُ ﴾ أزواج ، وسميت حليلة لأنها حلت لزوجها .

ولأنها تحل مع زوجها حيث كان ، وفى لحاف واحد أو فراش ، وكذا يقال للزوج حليل ، وكلاهما فعلية بمعنى فاعل ، أو لأن كلا منهما يَحُل للآخر إزاره ، فهو بمعنى مفعول ، أو الزوج حليل بمعنى فاعل ، والزوجة حليل بمعنى مفعول ، ومثل حليلته سريته فى التحريم ﴿ أَبْ ، َآئِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ﴾ وإن سفلوا ، فإن ابن الابن وإن سفل ، وابن البنت وإن سفل ، من صلب الجد ، بواسطة أو وسائط ، ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب ، فخرج الابن الذى بالتبنى ، فإن حليلته لا تحرم على متبنيه ، فإن صلى الله عليه وسلم تزوج زينب بنت جحش ، بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب ، بعدما تزوجها زيد بن حارثة ، وقد تبناه صلى الله عليه وسلم ، وأما زوجة الربيب فقيل تحرم على زوج أمه ، فتنكشف له كزوج ابنه ، وقيل تكره ، وقيل تحل له فلا تنكشف له ﴿ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ﴾ من نسب أو رضاع بنكاح أو تسر أو إحداهما بنكاح ، والأخرى بتسر ، وهذه الآية حرمت الجمع ، وقوله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم ، وقوله إلا ما ملكت أيمانكم لم يبيحا الجمع ، بل أباحا النكاح ، قال على ، أو غيره من الصحابة : لو كان الأمر لى لم أجد أحدا جمع بين أختين مملوكتين إلا جعلته نكالا ، فآيات ما ملكت اليمين عامات مخصوصات ، بقوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين ، على العدة حمل العام على الخاص عندنا ، وعند الشافعى ، علم التاريخ أو لم يعلم ، وبطل قول عثمان ، بجواز الجمع بين الأختين المملوكتين ، وكذا لا يجوز الجمع بين من لا تتناكحان ، لو كانت إحداهما ذكرا ، وكل ما يحرم تزوجه يحرم تسريه ، بل هى محرم له ، يكون حرا بملكه له ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا تنكح المرأة على عمتها ، ولاعلى خالتها ، ولا على ابنة أختها » وهو تمثيل للعموم المذكور فى كل من لا تحل للأخرى ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم : لا تنكح المرأة على قرابتها ، فشامل لمن تحل ، لكن خاف القطيعة ، فلو جمع بنتى عمين لجاز ، ومن جمع بين أختين مثلا حرمتا إن مسهما ، وإن مس إحداهما حرمت الأخرى ، وقيل إذا فارق الممسوسة حلت الأخرى ، ومن عقد عليها عقدة واحدة حرم من مس ، وجدد العقد للأخرى ﴿ إلاّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ متعلق بقوله عز وجل ، حرمت عليكم ، إلى قوله عز وجل ، وبين الأختين ، والاستثناء منقطع ، أى لكن لا عقاب على ما سبق قبل نزول الآية أو متصل على ما سبق فى مثله ، وقد وقع فى الجاهلية الجمع بين الأختين ، وبين امرأتين لا تحل إحداهما للأخرى لو كانت ذكرا ، ووقع نكاح امرأة الأب ، وكأنه قيل إلا ما قد سلف كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ، وحذفه للعلم به ، أسلم فيروز الديلمى على أختين فأمره صلى الله عليه وسلم بتطليق إحداهما شك ، وعن ابن عباس كان أ÷ل الجاهلية يحرمون ما حرم الله عز وجل إلا امرأة الأب ، والجمع بين الأختين ، ويروى أن نبى الله يعقوب عليه السلام جمع بين الأختين لي أمّ يهودا ، وراحيل أم يوسف عليه السلام ، وذلك فى شرعه ﴿ إنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ لكل أحد ، إلا من أبى ، فلكم الغفران والرحمة عما سلف ، ولا بد من الفرقة .

٥١٦ / ٦٬٢٣٦