تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النازعات

الجزء النازعات · صفحة ٠
[سورة النازعات — آية 19]

بالية وهو صفة متعلق بمردودون خارج عن الشرط والصدر وإِذا هذه تعين أن قولهم أئِنا لمردودون فى الحافرة صدر عنهم فى الدنيا وليس هذا آخر الاية لعدم التأسيس فيه وما قبل وما بعد مؤسس وآخرها حاسرة ومن قرأ ناخرة بالأَلف كان عنده آخر الآية لأَن فيه تأَسيسا ولفظ ناخرة وهو اسم فاعل حروفه أكثر منحروف نخرة بإِسقاط الأَلف ومعناه أقل وقولهم زيادة الحروف تدل على زيادة المعنى أغلبى لا لازم أو يخص بما إِذا اتحد النوع وهنا مختلف فإِنه بدون الأَلف صفة مبالغة وبها اسم فاعل ونقول مفعال وفعال بالشد وفعول أبلغ من فعل بفتح فكسر وفرح بالشد للمبالغة لا للتعدية أزيد معنى من فرح بالكسر والتخفيف وقال ابن العلاء : النخرة التى بليت وانلاخرة التى لما تنخر وقال الفراء هما سواء فى المعنى فلعله أراد أنهما جميعا لما وقع بلاه لا يكون ناخرة بالأَلف لما سينخر كما قال ابن العلاء أو اراد أنه بالأَلف اسم فاعل وبدونه صفة مشبهة فلم يتحدا نوعا وقيل كلاهما من معنى الصوت يقال نخر العظم أى بلى وجاف إِذا مرت به الريح سمع له نخير أى صوت .

﴿ قَالُوا ﴾ استئناف فى ذكر كفر آخر لهم متفرع على السابق . ﴿ تِلْكَ ﴾ الكرة أو الرجفةز ﴿ إِذاً ﴾ إِذ كان الأَمر ما ذكر من كون العظام نخرة ﴿ كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ فاعلة للنسب أى ذات خسر أو على حذف مضاف أى خاسر أصحابها أى فنحن خاسرون لتكذيبنا بها والعبارة عبارة ظن وهم جازمون فى قصدهم وذلك استهزاء ، وعن الحسن ضائعة أى لا تكون . ﴿ فَإِنَّمَا هِىَ ﴾ أى الكرة وقيل الراجفة . ﴿ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ أى كذبوا وأخطأُوا فى إِنكارهم لأَن تلك الكرة صيحة واحدة أى موجبها صيحة واحدة سهلة لا علاج لنا فيها يصيحها إِسرافيل فتحصل بصيحته وهى النفخة الثانية ، أخبر بها عن الكرة كأَن تلك الكرة هى نفس الصيحة مبالغة فى كمال الاتصال والترتب عليها . ﴿ فَإِذَا هُم بالسَّاهِرَةِ ﴾ أحياء على وجه الأَرض بعد أن كانوا أمواتا فى بطنها والساهرة وجه الأَرض المستوية لا نبت بها لأَن السراب يسهر فيها أى يجرى وعين ساهرة جارية الماء والجريان للسراب مجاز وأسند لمحله تجوزاً آخر أو لأَن سالكها لا ينام خوف الهلكة على التجوز فى الإِسناد وقيل أصل الساهرة الأَرض يكثر المشى فيها حتى كانت كحيوان منع من النوم للعمل عليه لا ينام وهو لا يعمل عليه وقيل أرض القيامة وهى أرض من فضة لم يعص الله تعالى فيها ، وقيل أرض مكة وقل الأَرض السابعة تبدل بها هذه الأَرض فيحاسبون عليها ، وعن وهب بن منبه جبل بالشام بمده الله تعالى ، وقيل أرض قرب بيت المقدس وقيل صحراء على شفير جهنم ، وعن قتادة : جهنم إِذ لا نوم فيها وسلى الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهدد قومه بتكذيب موسى عليه السلام وإِهلاك فرعون فى قوله .

﴿ هَلَ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾ اللفظ استفهام والمراد التحقيق أى قد اتاك حديث موسى قبل هذا فتذكره فقد اهلك مكذبيك كما أهلكت مكذبى موسى أو المراد الاستفهام التقريرى أى أليس قد اتاك حديث موسى فما لك يضيق صدرك وإِن لم يأْته حديثه قبل هذه الآية قيل وهو خلاف المتبادر قلت هو وجه حسن يستعمل فى مقام التحقق إِذا أمر عند صاحبه قال ألم يكن كذا يخاطب به من لا علم له به كقوله :

ألم تريانى كلما جئت زائراً … الخ فالاستفهام ترغيب له فى

استماعه وتوسيع لقلبه بأُحدوثة طريفة يمال إِليها ويستراح بها أى هل أتاك حديث أخبرك به وكأَنه قال : بلى أخبرنى . ﴿ إِذْ ﴾ مفعول به لأَذكر بل متعلق بحديث لتضمنه معنى التحدث . ﴿ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ ﴾ المحترم المطهر وحذفت ياء الوادى لالتقاء الساكنين وحذفت من الحط تبعاً للفظز ﴿ طُوىً ﴾ اسم للوادى فهو عطف بيان ومنع الصرف للعملية وتأنيث البقعة أو للعلمية والعدل عن فاعل أى طاوية بمعنى أنه مشتمل على خير . ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ ﴾ محكى بنادى مفعول به له كأَنه قيل إِذ قال له ربه اذهب إِلى فرعون أو يقدر القول أى إِذ ناداه ربه يا موسى قائلا اذهب إِلخ . ويجوز تقدير أن التفسيرية لتقدم معنى القول وهو النداء لمعونة قراءة أن اذهب بأَن وهى تفسيرية لا مصدرية لأَن ما بعدها أمر لا إِخبارز ﴿ إِنَّهُ طَغَى ﴾ لأَنه طغى . ﴿ فَقُلْ ﴾ له إِذا أتيته . ﴿ هَلْ لَّكَ إِلَى أن تَزَكَّى ﴾ هل لك ميل إِلى التزكى أى التطهر من الشرك والمعاصى فلك خبر وقيل مبتدأ لا فاعل لك لأَن الفاعل لا يحذف إِلا فى مواضع مخصوصة كالتقاء الساكنين والأَصل تتزكى أُبدلت التاء زايا وأُدغمت فى الزاى وفى الاستفهام جلب وتنزيل عن العتو كما قال الله عز وجل فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وقدم التزكى لأَنه تخلية والهداية تحلية . ﴿ وَأهْدِيكَ ﴾ أردكز ﴿ إِلَى رَبِّكَ ﴾ إِلى معرفة ربك سبحانه ولا إِله إِلاَّ هو ﴿ فَتَخْشَى ﴾ فتخشاه ولا خشية بالشئ إِلا بعد المعرفة به إِنما يخشى الله من عباده العلماء وهى خوف من إِجلال وهى عمدة الأَمر من خشى الله تعالى أتى منه كل خير ومن لم يخش اجترأ عن كل شر ، وعن أبى هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل . ﴿ فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى ﴾ عطف على محذوف أى فذهب إِليه فأَمره بالتوحيد فعاند فطلب الآية فأَراه الآية الكبرى وهى العصا أى أظهرها له واحتج بها عليه أو صيره عارفاً بأَنها حق من الله تعالى فجحدوها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً قال بلسانه إِنها سحر إِظهاراً للتجلد وعدم العجز والانقياد والعصا أصل آى موسى وأكبرها وغيرها تبع له وعن مجاهد الآية الكبرى العصا واليد البيضاء هما كالاية الواحدة وعبر عنهما بصيغة الجمع فى قوله تعالى : اذهب أنت وأخوك بآياتى ، وقيل يجوز أن يراد بالآية الكبرى الجنس فتشمل آياته كلها أعنى التى قبل انفلاق البحر المغرق لتعقيب أولها أو مجموعها باعتبار أولها والتفضيل باعتبار آيات الرسل قبله أو الكبرى خارج عن التفضيل أى فأراه الآية الكبيرة ويرده قوله تعالى : فحشر فإِن حشره السحرة إِنما كان بعد العصا واليد وأما باقى الآيات التسع فإِنما هى بعد ما غلب السحرة على طول فى نحو عشرين سنة .

﴿ فَكَذَّبَ ﴾ موسى وسمى العصا واليد سحراً . ﴿ وَعَصَى ﴾ عصى الله تعالى دام على العصيان وادعاء الألوهية وإِنكار الله عز وجل وما ذكرته أولى من قول بعض فكذب موسى وعصاه لأَنه أشد ذماً ولو كان عصيانه موسى عصيانا لله عز وجل .

٥٬٧٣١ / ٦٬٢٣٦