تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النساء

الجزء النساء · صفحة ٠
[سورة النساء — آية 176]

﴿ يآ أيُّهَا النَّاسُ ﴾ مطلقا ﴿ قَدْ جَآءَكْم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ البرها المعجزات والدين والرسل ودلائل العقل ، وعن ابن عباس هو النبى صلى الله عليه وسلم ﴿ وَأَنزَلَنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً ﴾ القرآن أو البرهان والنور ، كلاهما القرآن ، فإنه سبب لوقوع نور الإيمان فى القلب ، ولأنه يتبين بالنور الأعيان ، وبرهان على صدق مبلغه فى دعوى الرسالة ، وجاز أن البرهان الدين لابتنائه على البراهين القاطعة ، وأنه صلى الله عليه وسلم برهان لأنه حرفته إقامة البراهين على تحقيق الحق وإبطال الباطل ، وفرع على مجىء البرهان وإنزال النور تفصيلا بقوله :

﴿ فَأَمًَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ بالله تعالى ، وقيل بالنور المبين ، وهو القرآن ، والصحيح الأول ﴿ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ جنته ، سماها على التجوز الإرسالى ، والظرفية حقيقة باسم ما ينزل فيها ، وذلك فى مقابلة عملهم ، ولا واجب على الله ، وقيل الرحمة الثواب والظرفية مجازية ﴿ وَفَضْلٍ ﴾ إحسان بما لا يعلمه إلا الله زائد على ذلك ﴿ ويَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ ﴾ إلى الله ، أى ثواب الله ، أو إلى الفضل ، أو الموعود به ﴿ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴾ دين الإسلام فى الدنيا ، أو طريق الجنة فى الآخرة ، وأما الذين كفروا واعتصموا بالطاغوت فسيدخلهم فى عذابه ، وقدم ذكر الرحمة والفضل مع تأخيرهما فى الوجود عن الهدى إلى الصراط المستقيم تعجيلا للمسرة ، ويجوز جعل إليه حالا من صراطا ، ويروى أن جابر بن عبد الله مرض ، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنى كلالة ، كيف أصنع بمالى؟ ولفظ البخارى ومسلم عن جابر بن عبد الله مرضت فأتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعودانى ماشيين ، فأغمى علىَّ ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم صب عَلَىَّ م وضوئه فأفقت ، فإذا النبى صلى الله عليه وسلم ، فقلت ، يا رسول الله ، كيف أصنع فى مالى ، كيف أقضى فى مالى ، فلم يرد عَلَىَّ شيئا حتى نزله قوله تعالى :

﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ أى فى الكلالة ، بدليل قوله تعالى ﴿ قُلِ اللهُ يُفْتِنكُمْ فِى الْكَلاَلَةِ ﴾ ولفظ أبى ذر من رواية البخارى ، اشتكيت وعندى سبع أخوات ، فدخل عَلَىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويروى ، وأبو بكر ، فنفخ فى وجهى ، فأفقت ، فقلت ، يا رسول الله ، أوصى لأخواتى بالثلثين؟ قال : أحسن ، قلت ، بالشطر ، قال : أحسن ، وأحسن ، فعل أمر ، يعنى الإيصاء لهن بالثلثين أو بالنصف إسراف غير إحسان ، ومثل ذلك لأبى داود ، وكذا الترمذى إلا أنه ذكر تسعا بالمثناة ، وروى ابن سيرين أن الآية نزلت فى مسير النبى صلى الله عليه وسلم وإلى جنبه حذيفة بن اليمان ، وبلغها حذيفة إلى عمر ، وهو سي رخلف حذيفة ، ولما استخلف عمر سأل حذيفة عن تفسيرها ، فقال ، والله ، إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملنى أن أحدثك فيها ما لم أحدثك يومئذ ، فقال عمر : لم أرد هذا ، رحمك الله تعالى ، ثم خرج ، وتركنى ، فقال ، يا جابر ، ما أراك ميتا من وجعك هذا ، وأن الله قد أنزل هذه الآية فىَّ ، وفى رواية ، دخل عَلَىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل ، ثم صب عَلَى فعلت ، فقلت ، إنه لا يرثنى إلا كلالة ، فكيف الميراث ، فنزلت آية الفرائض ، وهى آخر آية نزلت خاتمة سورة النساء وآخر سورة نزلت كاملة براءة والمراد الآيات المتعلقة بالأحكام ، ومن حديث جابر عن الترمذى ، وكان لى تسع أخوات حتى نزلت آية الميراث ، يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة ﴿ إنِ امْرُؤ اهَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ ذكر ولا ولد ابن ذكرن ولا والد ، ولو علا ، واختار بعض أن المراد بالولد الذكر ، لأنه المتبادر ، إذ هو أحب إليهم ، وليتوافق الاسم والمسمى فى الذكورة ، ولأن الأخت وإن ورثت مع البنت النصف لكن لا بالفرضية ، بل بالعصبة ، واعتراض بأنه تخصيص بلا مخصص ، والتعليل بأن الابن يسقط الأخت دون البنت ليس بسديد ، لأن الحكم تعيين النصف ، وهذا ثابت عند عدم الابن والبنت ، غير ثابت عند وجود أحدهما ، فإن الابن يسقط الأخت ، والبنت تصير عصبة ، فلم يتعين لها فرض ، والنصف لها مع البنت بالعصوبة ، وأيضا الكلام فى الميت الكلالة ، وهو الذى لا ولد له ﴿ يَرِثُهَآ ﴾ يرث مالها كله وحده ﴿ إن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ﴾ لا ذكر ولا أنثى ، فإن كان لها أو له ولد ذكر ولو سفل ، أو أب وإن علا ، فلا شىء لهذا الأخ أو الإخت ، وإن كان له أو لها ولو أنثى فصاعدا فالموجود منهما عاصب ، وإن كان الأخ أو الأخت ، وإن كان له أو لها ولو أنثى فصاعدا فالموجود منها عاصب ، وإن كان الأخ أو الأخت من الأم فالسدس ، أو متعدد فالثلث ، والآية كما لم تدل على سقوط الإخوة بغير الولد لم تدل على عدم سقوطهم به ، ودلت السنة عَلَى أنهم لا يرثون مع الأب ، قال صلى الله عليه وسلم

« ألحقوا الفرائض فما بقى فلأولى عصبة ذكر » ، بفتح همزة أولى ولامه ، أى لأقرب ذكر ، ولا شك أن الأب أقرب من الأخ ، وذكر الطبرى عن قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة ، فسألوا عنها النبى صلى الله عليه وسلم فنزل ، ويستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة ، وهى عند جمهور أهل اللغة وكثير من الصحابة من لم يخلف ولداً أو والدا ، كما قال جابر ، إنى كلالة ، وقد يغير بها عن القرابة من جهة للوالد والولد ، للضعف ، كما فى رواية عن جابر ، وإنما يرثنى كلالة ، ويقال : أنزل الله جل وعلا فى الكلالة آية فى الشياء ، وهى التى فى أول السورة ، وأخرى فى الصيف وهى هذه ، وتسمى آية الصيف ، روى مالك ومسلم عن عمر رضى الله عنه ما سألت النبى صلى الله عليه وسلم أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه فى صدرى ، وقال : يكفيك آية الصيف التى فى آخر سورة النساء ، عن بان عباس رضى الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد سورة النصر عاماً ، ونزلت بعدها براءة ، وهى آخر سورة نزلت كاملة ، فعاش النبى صلى الله عليه وسلم بعدها ستة أشهر ، ثم نزل فى طريق حجة الوداع قوله تبارك وتعالى : يستفتونك قل الله يفتيكم ، وقيل : نزلت وهو بتجهز لحجة الوداع فى الصيف ، ونزل وهو واقف بعرفات ، اليوم أكملت .

. الآية ، وعاش بعدها واحداً وثمانين ، ثم نزلت آية الربا ، ثم نزلت ، واتقوا يوماً الآية ، وعاش بعدها واحداً وعشرين يوماً ، وذكر البخارى ومسلم عن البراء أن آية من يرث بالأخوة وثنّى وأنث اعتباراً للخير ، وهو قوله ﴿ اثْنَتَيْنِ ﴾ وإلا فكيف يشترط للاثنتين أن تكونا اثنتين فإنه تحصيل للحاصل ، وفى الآية تنبيه على أن المعتبر العدد لا الصغر والكبر ولا غير ذلك ، والمراد اثنتان فصاعدا ، لأنها نزلت فى جابر ، وقد مات عن أخوات سبع أو تسع ، وهو آخر الصحابة موتاً بالمدينة ﴿ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ﴾ أخوهما ﴿ وَإن كانُوا ﴾ أى كان من يرث بالإخوة ، وجمع باعتبار الخبر ، وهو قوله ﴿ إخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً ﴾ على حد ما مر قبله ، وفى أول السورة ، وغلب الذكور فدخلن فى الإخوة ﴿ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ الأُنثَيَيْن يُبَيِّنُ اللهُ ﴾ أحكام الإرث وغيره ﴿ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ﴾ لئلا تضلوا ، أو كراهة أن تضلوا ، لورود لفظ الكراهة بمعنى المنع فى حق الله عز وجل ، مثل قوله صلى لله عليه وسلم : « إن الله كره لكم القيل والقال فى أحاديث » وهذا أولى لقلة الحذف ، وفى الأول حذف اللام ولا ، وحذف المضاف أيضاً أوسع ، بخلاف حذف لا ، فإنماهو فى مثل قوله تعالى : تالله تفتأ ، والوجهان فى قوله تعالى : أن تزولا ، وفى حديث ابن عمر : لا يدع أحدكم على ولده ، أن يوافق من الله ساعة إجابة ، ولو استحسن الكسائى فى الحديث حذف اللام ولا ﴿ وَاللهُ بِكُلِّ شَىءْءٍ عَلِيمٌ ﴾ من مصالح الحياة والموت .

لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ، لا ملجأ من الله إلا إليه .

٦٦٩ / ٦٬٢٣٦