سورة المائدة
الجزء المائدة · صفحة ٠﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾ لهؤلاء الكفرة المفترين على الله الكذب وللأَكثر الذين لا يعقلون ﴿ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ ﴾ يخبرنا بما أَنزل الله وبينه لنا وبما نفعل وما نترك ﴿ قَالُوا حَسْبُنَا ﴾ كافينا ، مبتدأ كما دخلت عليه أَن فى قوله تعالى فإِن حسبك الله ﴿ مَا وَجَدْنَا ﴾ من الدين ﴿ أَوَ لَوْ كَانَ ﴾ أَحسبهم ما وجدوا عليه آباءَهم ولو كان ﴿ آباؤُهُمْ ﴾ أَو يقولون ذلك ولو كان آباؤهم ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ من الدين ﴿ وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ إِلى الصواب ، وهم ضالون لا يعرفون شيئاً من دين الله بعنوان أَنه دين الله ولا يهتدون إِلى الحق ولو بلا علم أَنه من الله ، هناما وجدنا وفى البقرة ما أَلفينا ، وهنا لا يعلمون وفى البقرة لا يعقلون ، لارتكاب فنون في التعبير ، أَو أَحسبهم ذلك أَو أيقولون ذلك ولو لم يكن آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون ، ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون ، والاستفهام إِنكار لصحة ذلك عقلاً وشرعاً ، وكان المؤمنون يتحسرون على عدم إِيمان الكفرة ، ويتمنون إِيمانهم وكان الرجل إِذا أَسلم قالوا : سفهت آباءَك وعنفوه ، فنزل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ الزموا أَنفسكم واحفظوها ، ولفظ عليكم جار ومجرور والجار في المحل وهو اسم فعل ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ ﴾ قيل مجزوم فى جواب الأَمر ، والمشهور أَن لا يجزم ولا ينصب فى جواب اسم الفعل ، إِلا أَن قراءَة لا يضر بضم الضاد وقراءَة كسرها وإِسكان الراء فيهما تدلان على الجزم في جوابه ، وتحمل عليه قراءَة الضم والشد ، فالضم للتخلص من الساكنين أَو الجزم فى ذلك كله على النهى أَو الرفع استئناف أضو تعليل ﴿ مَنْ ضَلَّ ﴾ أَى لا يضركم ضلال من ضل من عصاة المؤمنين ، أَو من أَهل الكتاب ﴿ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ بمجانبة الضلال والإصرار ، ومنها أَن ينكر المنكر بحسب طاقته فانتفاء الضر بالنهى منكم عن الضلال فلا يقبل ، أَو المعنى لا تهلك حسرة على كفر الكفرة ، أَولا أَمر ولا نهى عليك إِذا كان فيهما فساد . أَو اثبت على الإِيمان ولا تبال بقول الكفرة لمن أَسلم سفهت آباءَك ، واحفظوا أَهل دينكم وانصروهم ، ومرجه معصية الكافر عليه لا عليكم ، أَو ذلك كله ، وقد قيل : إِذا اهتديتم بالأَمر والنهى ، وسأَل رجل ابن مسعود رضى الله عنه عن الآية ، فقال : هى فيما إِذا أَمرت : أَو نهيت فعل بك كذا وكذا أَو لم يقبل منك ، وسئل ابن عمر فقال : ليست فيكم إِنما هى لمن بعدكم إِذا لم يقبل عنهم فإِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليبلغ الشاهد الغائب فنحن الشهود وأَنتم الغيب ، قال صلى الله عليه وسلم : « من رأَى منكم منكراً واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإِن لم يستطع فبلسانه ، وإِن لم يستطع فبقلبه »
، وكأَنه قيل لا يضركم من ضل إِذا أَمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر يفد أَمركم ونيهكم ، روى الحاكم عن أَبى ثعلبة الخشنى سأَلت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية فقال « ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إِذا رأى برأيه فعليك نفسك » ، وقال لمعاذ مثل ذلك ، وزاد « فإِن من ورائكم أَيام صبر المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر فللعامل منهم يومئذ مثل عمل أَحدكم كأَجر خمسين منكم فقال : خمسين منهم ، فقال : بل منكم أَنتم فإِنكم تجدون على الخير أَعوانا ولا يجدونهم » ، وليست الآية مبيحة لترك الأَمر والنهى إِلا لمن اهتدى ، ومنه الآمر والناهى ، قال أَبو بكر رضى الله عنه : تعدونها رخصة والله ما نزلت آية أَشد منها ، وإِنما المراد لا يضركم من ضل من أَهل الكتاب ، وقد أَمرتموهم ونهبتموهم . كما جاءَ عن مجاهد وابن جبير : هى فى اليهود والنصارى خذوا منهم الجزية واتركوهم بعد أَن أَمرتموهم بالتوحيد فأبوا ، وقال أبو بكر رضى الله عنه على المنبر : يا أَيها الناس إِنكم تقرأُون هذه الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هى ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إِن الناس إِذا رأَوا منكراً فلم يغيروه عمهم الله بعقاب ، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، أَو ليستعملن الله عليكاً أشراركم فيسومونكم سوءَ العذاب ثم يدعوا أَخياركم فلا يستجاب لهم » ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « ما من قوم عمل فيهم منكر وسن فيهم قبيح فلم يغيروه ولم ينكروه إِلا وحق على الله أَن يعمهم بالعقوبة جميعاً ثم لا يستجاب لهم » ﴿ إِلَى اللهِ ﴾ لا إِلى غيره ﴿ مَرْجِعُكُمْ ﴾ أَى رجوعكم ﴿ جَمِيعاً ﴾ أَيها المؤمنون ، مرجع الضالين فحذف ، أَومرجعكم أَيها الناس مؤمنكم وكافركم ، وهذا أَنسب ، فيجازى كلا بعمله كما قال ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ولا يؤاخذ أَحداً بذنب غيره ، وذلك وعد ووعيد .