تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنعام

الجزء الأنعام · صفحة ٠
[سورة الأنعام — آية 25]

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ حين تقرأ ، اسمتمع إِليه أُمية ابن خلف وأَخوه أَبى ، والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة لعنهم الله ، ومنهم أَبو سفيان بن حرب ، إِلا أَنه أَسلم حين الفتح . اجتمعوا وقالوا للنضر ، وكان أَعقلهم وأَقربهم للإِسلام ، ومات كافرا : يا أَبا قتيلة ، ما يقول محمد؟ فقال : ما أَدرى ما يقول ، غير أَنى أَراه يحرك لسانه ويذكر أَساطير الأَولين ، مثل ما كنت أَذكر لكم عن القرون الماضية ، وكان النضر كثير الإِخبار عنها ، فقال أَبو سفيان : أَرى بعض ما يقول حقا ، فقال أَبو جهل : كلا ، لا نقر بشيءٍ من هذا ، للموت أَحب إِلينا من هذا ، روعى لفظ من فأَفرد الضمير لأَن المستمعين المرادين هنا قليل ، كما أَفرد فى ﴿ ومنهم من ينظر إِليك ﴾ لقلة الناظرين إِلى المعجزات ، وروعى معناها فجمع فى قوله ﴿ ومنهم من يستمعون ﴾ لأَن المراد الكفار كلهم ﴿ وَجَعَلْنَا ﴾ صيرنا أَو أَلقينا ﴿ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ جمع كنان وهو ما يغطى الشئَ ﴿ أَنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ متعلق بأَكنة لأَن المعن ، وجعلنا على قلوبهم مانعا عن أَن يفقهوه ، أَى يفهموه ، والهاء للقرآن المعلوم من قوله ليستمع روَفِى آذأنِهِمْ وَقْراً } معنى مانعا عن سماع القبول والتدبر تشبيها بثقل السمع حتى كأَنهم لم يسمعوا ، والأَكنة والوقر عبارة عن الخذلان وهو ترك التوفيق ، أَو عن أَن يحدث فى نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصى واستقباح الإِيمان والطاعات لإِهمالهم عقولهم عن النظر ، وذلك عقوبة لهم على اختيارهم الكفر وإهمال النظر ، لكن هذا الاختيار مخلوق لله عز وجل ، وليس ذلك الإِحداث وخلق الاختيار إِجباراً ولو كانا يتخيل أَنهما إِجبار لعجز عقولنا عن فهم ذلك ، أَو نقول ﴿ لا يسأَل عما يفعل ﴾ ولا حجة للكفار إِذ يقرون بالاختيار ضرورة ولو أَنكروه تارة ، وأَسند الجعل والطبع والختم إِلى الله باعتبار خلقه الاختيار وترك التوفيق ، والعقاب على الاختيار ، والمعتزلة منعوا إِسناد ذلك إِلى الله ، وقالوا : تمكن التقليد وإِهمال النظر فى قلوبهم حتى صارا كالطبيعة المسند خلقها إِلى الله عز وجل ، والحق إِسناد ذلك إِلى الله عزوجل بمعنى خلقه ، ولا مانع ، ويسأَلون عن ذلك التمكن ، فإِن قالوا بالطبع المجرد فذلك شرك ، وهم يقولون بخلقهم أَفعالهم ، وضلوا بذلك مع أَن التمكن ليس فعلا لهم وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ } علامة مما يتلى وغير مايتلى من املعجزات على وحدانية الله تعالى ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وقال ابن عباس : المراد آيات القرآن ، وقيل : التكوينية كانشقاق القمر ونبع الماء من بين الأَصابع وتكثير الماء والطعام القليلين ، وخصصها بعض بغير الملجئة لئلا يناقض قوله تعالى ، ﴿ إِن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أَعناقهم ﴾

قلت : الإِيمان عند الآية الملجئة غير الإِيمان الاختيارى ﴿ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾ يكذبون بها ويقولون سحر وافتراء وأَساطير ، أَو لا يؤمنون بسببها بالوحدانية والنبوة والرسالة ، ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ ﴾ حتى للابتداء ، ولا تخلو عن معنى الغاية لأَنها تفريع ، أَلا ترى أَن المتفرع ينتهى إِلى المفرع عليه ، وبالعكس ، فإِن عندهم انتهى بهم إلى قولهم إِن هذا إِلا أَساطير الأَولين ، ولو قلنا جارة خرجت إِذا عن الشرط والصدر ولم يكن لها جواب وهو وجه ضعيف ﴿ يُجَادِلُونَكَ ﴾ حال من الواو مقدرة ، أَى ينازعونك نزاعاً شديداً ، أَو الجدال لا يخلو عن شدة أَو نزاعاً شديداً ، حتى كأَنهم يريدون أَن يلقوك على الجدالة وهى الأَرْض ، وجواب إِذا هو قوله ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلخ ، فيما قيل؛ واعتراض بأَن قول الذين كفروا هو نفس الجدال فلا فائدة إِلا أَن تؤول المجادلة بإِرادتها أَو بقصدها ، والأَصل خلاف التأويل ﴿ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴾ كلمات كتبها الأَولون أَسطاراً تتلى عليك ، أَو جواب إذا يجادلونك ، ويقول الذين كفروا مستأَنف فى جواب سؤال مقدر ، أَو بدل من يجادلونك ، والمفرد أَسطورة - أَفعولة فيما يستعجب منه ، كأَحدوثة وأَروبة ، وهو أَولى ، ويليه أَنه جمع أَسطار ، ، وأَسطار جمع سطر ، بفتح الطاء وإِسكانها ، وقيل جمع أَسطورة أَو إِسطارة أَو إِسطير أَو أَسطور مفردات غير واردة ، وقيل وردت فى كلام العرب ولا يصح ما قيل أَساطير جمع أَسطار جمع أَسطر ، وأَسطر جمع سطر ، لأن أَفعالا جمع للثلاثى لا للرباعى ، ولا ما قيل أَنه اسم جمع لأَن نصوص النحاة أَن ما على صيغة منتهى الجمع يقال له جمع ولو لم يكن له مفرد من لفظة كعباديد وشماطيط .

٨١٤ / ٦٬٢٣٦